عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عدنان أبوزيد

صفحات: [1]
1
دبلوماسية الفايروسات ترتّب العالم من جديد

عدنان أبوزيد

ليس وباء كورونا، السباّق الى إعادة صياغة العالم، والعلاقات بين الدول، وفتْح منافذ دبلوماسية بين الشعوب، فقبْله الكثير من الأزمات والمصائب، والظروف الخاصة التي اتاحت فرص فتْح ملفات سياسية واقتصادية حساسة، حتى باتت الفرصة للدبلوماسية في أوقات الشدائد يُعوّل عليها لفكّ عقد مستحكمة، ومعضلات تاريخية.
 
سخّن تسونامي، العلاقات الباردة بين الدول في منطقة المحيط الهادئ، وأبرقت موسكو الى طوكيو، بإصدار الأوامر
لفرق متخصصة في البحث والإنقاذ، حتى في جزر الكوريل المتنازع عليها بين البلدين.
 
ضَرَب الزلزال تركيا، في تسعينيات القرن الماضي، فانبرت اليونان، تسابق الزمن لمساعدتها على رغم الخصومة التاريخية، وقد فَتَح ذلك باب الحوار المغلق لسنوات طوال.

ودفعت الازمة الاقتصادية التي ضربت الصين ابان حكم ماوتسي تونغ، الولايات المتحدة الى عرض المساعدات، الأمر الذي فتح نافذة استشراف مستقبل العلاقة بين البلدين في خضم حرب باردة، جعلت من بكين، ثاني أخطر عدو لواشنطن بعد موسكو، كما استثمرت الدبلوماسية الامريكية في مشروع تقويم الاقتصاد الصيني، لتعزيز التعاون، الذي أثمر في النهاية عن اتفاقية لخفض الأسلحة النووية.

واستدرجت "دبلوماسية التعازي" بموت زعماء، الحميمية بين الدول، حيث الزعماء يتحدّثون تحت سقف واحد يخيّم عليه الحزن، ويذكّرهم بالفناء، ما يخفّف كثيرا من جدل الخلافات.

أزمات الفقر في كشمير، اتاحت تخفيف الشدّ المتصاعد بين الهند وباكستان، بعد حملات مشتركة بين البلدين لمساعدة الناس.
 
كورونا، يفعل اليوم ما عجزت عنه المفاوضات الماراثونية، في ابتكار نوافذ جديدة في التجارة العالمية لم تكن معهودة من قبل، سيما بين الدول التي تتصدى للحصار مثل كوريا الشمالية وإيران.
 
صحيفة "نيويورك تايمز" تعتبر في معالجة تحليلية، ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فشل في استغلال ازمة كورونا، لإذابة جليد العلاقة مع ايران، وكان يمكن له استثمارها بطريقة افضل ممّا فعل، عبر الاستعداد الجدي لفك الحصار عنها.

أزمات النفط، لها دورها في ترتيب العلاقات بين الدول، فما انْ تتصاعد، حتى تسارع الدول الى الحوار والتفاهمات، من اجل دراسة أسواق النفط، وقد أثّر ذلك كثيرا، على سبيل المثال، في تحسين العلاقات الباردة بين موسكو والرياض.

وتسبّبت أزمة الفقر في افريقيا، في أزمة دبلوماسية بين ايطاليا وفرنسا، بعد انْ اتّهمت روما، باريس، بتعمّد إشاعة الفقر في افريقيا، الأمر الذي تسبّب في الآلاف من المهاجرين بأعداد كبيرة إلى أوروبا.

عودة الى الفيروسات التاجية الصينية، بحسب وصف الرئيس الأمريكي ترامب، وهو وصْف اثار غضب بكين، واعتُبر إهانة أمريكية لها، فانّ لا مفرّ أمام حقيقة، ان الوباء يعزّز تبادل الخبرات والمعدات مع الدول حتى المتصارعة على النفوذ الاقتصادي والسياسي.
 
تدرك الصين كيف أثّر الوباء على صِيتها كدولة واقتصاد، ويقول الفريد وو، الأستاذ المساعد في مدرسة Lee Kuan Yew ان الصين تعيد صياغة نسختها التي تضرّرت من تفشي المرض بعناية، وكان الأمر على وشك انْ يتحول الى أزمة دولية بسبب الدعاية الإعلامية التي اتّهمتها بعدم التعامل المبكر مع الفيروس، وهو اتهام لا يخلو من الغرض السياسي.
تميّز الصين ذلك، لتردّ على الولايات المتحدة بانها تتقصّد نشر الفزع بشأن الفيروس، لتحريف صورة الصين، التي سارعت الى معالجات حاسمة لانتشار الوباء، وانتقلت الى خارج البلاد لمساعدة الدول الأخرى، الأمر الذي أعاد الثقة بالقيادات الصينية.

 
وفي خطوة لا تخلو من الغمز من قناة أمريكا، أرسلت الصين فريقا طبيا إلى إيران مع مئات الالاف من الأقنعة وأجهزة الوقاية، كُتب عليها بيت شعر للشاعر الفارسي سعدي شيرازي: "أطفال آدم هم أطراف جسد واحد، يشتركون في أصل واحد في الخلق".
بل وتحولت الصين من الدفاع الى الهجوم باستثمار الازمة في إبراز الحاجة الى "طريق حرير للرعاية الصحية" الذي يُنظر إليه بعين الشك في واشنطن.

 
 
 


2

القراءة الحديثة  والمعرفة العميقة

عدنان أبوزيد

يبدو أمرا لافتا انحسار قراءة الكتب التقليدية في الدول العربية، بسبب تقنيات النشر الرقمية، ونوافذ التواصل الافتراضي، فيما المجتمعات المحدِثة، تحرز أعلى المبيعات في المنشورات الورقية، على رغم سطوتها على وسائل النشر الالكترونية وانتشارها بين مواطنيها، بشكل واسع.
تجربتي في الإقامة في أوربا لنحو العقدين، لا تؤشّر على همود المكتبات الشخصية للأفراد، فيما البيوت العراقية
تقفر منها في الغالب، عدا الضآلة القليلة، وما يزيد من استفحال ذلك، ان الفرد العراقي يتّخذ من مواقع التواصل الاجتماعي ومجاميع التراسل الفوري، المعروفة بمحتواها الخبري الأفقي والفوقي، مصادرا لمعلوماته، من دون الاستطاعة في تنمية مستويات ثقافته وأنماط معرفياته وتحسين لغته، بصورة عمودية، كما يفعل الكتاب الورقي.

أكثر من ذلك، فان الانترنت لم يعد المصدر لاقتناص المعلومة والمعرفة، فحسب، بل لاستنساخ أطاريح الماجستير والدكتوراه، حتى في المجالات العلمية، في ظل تغييب مؤسف للاستطلاعات الميدانية، والاختبارات الفعلية.

سرّ التعادل بين الكتاب التقليدي والمضمون المعرفي الرقمي، والقراءة الافتراضية، يكمن في البصيرة بأهمية المعرفة العميقة، وتوفير الدعم للمكتبات التقليدية، لكي تبقى المعادلة متوازنة، بين المعلومة المرئية السريعة، والأخرى الراسِخة.
 
تشير تقديرات سنوات مضت، الى ان معدل انتشار الكتاب في العراق والدول العربية ينخفض باستمرار، ذلك ان نصيب كل مليون فرد من الكتب المنشورة في العالم، لا يتجاوز الثلاثين كتابا، مقابل 584 كتابا لكل مليون أوروبي و212 لكل مليون أميركي، حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة والتربية (اليونسكو).
 
لابد من الإقرار بان التدوينات الرقمية جعلت من الفرد، كاتبا وناشرا وقارئا في نفس الوقت، ومع هذا التعدّد في المهارات، اتّسعت المعرفة المدرِكة بشكل سطحي، لا نحو المسلك السحيق.

لم يعد تسطير الكلمات، يحتاج الى الشجاعة، كما في السابق، ذلك ان دوافع بسيطة للتعبير، مع امتلاك نوافذ نشر في التواصل الاجتماعي والتراسل الفوري، يجعل منك كاتبا مشهورا، وهو ما يحصل الآن، اذ ينال مدونون وناشرون على قدر متواضع من الثقافة، من الشهرة والمال، ما لا يناله كتّاب مشهورون، ما يكشف عن انقلاب جذري في المفاهيم المتعلقة بمصادر الثقافة ومراجعها، وتصويباتها.
 
القراءة الرقمية، وفّرت جانبا أكبرا من الترفيه، بلو واللهو، على حساب المعرفة الجدية، وأصبح خيار اقتناء كتاب رقمي، او معرفيات عبر نوافذ الترابط الرقمية، لا يمثّل بشكل دقيق مفهوم الملكية الكاملة للمعرفة والدراية، والتي ارتبطت في الأسلوب الكلاسيكي المعروف، بالذات، قبل أي شيء آخر.

لازال الكثير من المثقفين العراقيين على الرغم من محاولاتهم تجربة الأساليب الرقمية في المطالعة والنشر، يتشبّثون بالكتاب التقليدي، والجريدة الورقية، التي توفّر الأناة، والعزلة، والتأمل، بل ان البعض منهم يصرّ على النشر فيها على رغم ان ما يقطفه من قرّاء ومتابعين، أقل بكثير من غنائم المتابعات والإعجابات، في المواقع والصحف الرقمية وصفحات التواصل الاجتماعي.

في كتاب "فن القراءة"، يكشف الفيلسوف الاسترالي دامون يونغ، الحائز على جائزة أوسكار، عن علاقة المطالعة بكيفيات التفكير، ويسوغ لماذا تبقي الروايات والأدبيات الورقية الكلاسيكية مصدرا أساسيا للدراية والخلق والمتعة واللذة المتفردة،
التي لا يمكن الاستغناء عنها مطلقا، حتى في حالة تحوّل كل النصوص الى أرقام في المكتبات الافتراضية.

في دول أوربا الغربية، مثالا، لا حصرا، يُلاحظ بشكل بارز، أولئك الشغوفون بالقراءة وهم يحملون أجهزة "الايباد مِنِي"، ولوحيات الكتب الرقمية، في القطارات ومحطات المترو، والباصات، مبحلقين بتركيز على النصوص، ومدونين الملاحظات، في مخطوطات بألوان زاهية، لكن ذلك لم يمنع من وجود المكتبات الكلاسيكية في الأسواق، وإيثار الكثير من الناس لها. 

3
المنبر الحر / شعوب هزمت اليأس
« في: 09:01 05/06/2020  »
 
شعوب هزمت اليأس
عدنان أبوزيد

العراقيون يتداولون الأنباء عن بناء مستشفى عظيم في الصين لمعالجة مصابي كورونا، باستعجاب، واستغراب.

قبل ذلك، هزّت أزمات ومصائب، شعوباُ، فانبرت الحكومات تحسم المحن، بأسرع من البرق.

الكارثة المالية اجتاحت أمريكا قبل سنوات، وحلّ الكساد، والبوار، وفَلِسَت البنوك، وعجز المواطنون عن دفع أثمان البيوت التي اشتروها، وخسرت الشركات مليارات الدولارات، لكن تكافل الجميع، وضخ أصحاب رؤوس الأموال، الآلاف من المليارات من الدولارات الى السوق، واستنفار حتى مطابع العملة، حسم الضائقة، باتجاه التعافي.

اليونان تخطّت كبوتها الاقتصادية وحققّت المعجزة، بعد الانهيار العظيم، واليأس العارم، والافلاس والجوع، محققة منذ العام 2014، فائض ميزانية، أتاح الإنفاق الاجتماعي على الفقراء.
لم يحدث ذلك بتخطيط الحكومة فحسب، بل بمساهمة المواطن الواعي الذي تجشّم أعباء التقشّف من أجل عبور الأزمة.

اليابانيون بعد نحو 15 عاما من الانكماش، اكتشفوا انّ الانغماس في كثرة المطالب ليس حلا، وأدى بهم الرشد الاجتماعي، الى تفضيل الأمن الوظيفي على الأجور، كي لا تهرب الشركات الى الخارج بحثا عن عمالة رخيصة، او تتبنى تقنيات وآلات تحلّ محلهم، الأمر الذي منح البلاد، استقرارا اقتصاديا باهرا.
 
ولم تكن المعجزة الاقتصادية الألمانية، في إعادة الإعمار، الفائق السرعة، أمرا سهلا بعد حرب دامية أزالت المدن عن بكرة ابيها، لكن اقتصاد السوق النيوليبرالي الذي أدغم بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، أتاح الحرية المطلقة لرأس المال والعمل، وهمّش الفساد، ما يسّر اندلاع ثورة تنمية كبرى، عمادها الشباب الواعي بمسؤوليته التاريخية في إعادة أمجاد بلاده.

ولم يكن الكثير من الصينيين يتوقعون بلادهم التي شهدت أكبر مجاعة تسبّبت في موت نحو 40 مليون إنسان، في نهاية خمسينيات القرن الماضي، سوف تطبّب الجراح، وتقبر اليأس، لكن العزيمة، وبعد أقل من سبعين عاما، قلبت الصين من أمة مغلوبة على أمرها، جائعة، إلى واحدة من أعظم القوى في العالم.

حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المتبادل بين قبيلتي الهوتو والتوتسي في رواندا، خلّف نحو المليون ضحية، العام 1984، حتى تكهّن البعض بانقراض شعبها. ولم يمض وقت طويل حتى انتقلت البلاد بعد أقل من عقدين من الفشل، الى النجاح في منافسة اقتصاديات الدول المختلفة، ونالت عاصمتها كيجالي التي كانت يوما ما، مدينة صفيح، لقب أجمل عاصمة افريقية.
 
تشيلي التي عانت من هيمنة سلطة مركزية، ومجلس عسكري، بمقدراتها، أصرّ شعبها على التغيير الديمقراطي، وأثمر الجهد عن استفتاء العام 1990 أنهى حكم العسكر، بصناديق الاقتراع، لتقفز في زمن قياسي قصير، من بلاد يعاني النصف من سكانها، الفقر والمجاعة، الى أعجوبة اقتصادية واجتماعية عظيمة.
 
الى وقت قريب، كان شعب سنغافورة لا يعرف النظافة، ولا يتقن صناعة الحياة، وكان السواح يشتكون من قذارة المدن، وروائح المطاعم العشوائية في الشارع، ومضايقة المتسولين، والجرائم التي يقترفها العاطلون، ولم يمض سوى اقل من 50 عاما حتى نجحت الدولة في إرشاد سلوكيات المواطنين نحو طرق عملية، متحضرة.

ماليزيا التي عانت من الانقلابات والثورات والأنظمة الفاسدة، وطّدت مفهوم الوعي الحضاري والانفتاح على العالم، والاستثمار في الفرد الذي أصبح المحور الذي تدور حوله محركات البناء والاعمار.

إنّ الشعوب التي تثق في نفسها، لقادرة على إحالة الانكسارات والهزائم، الى فتوحات حضارية واقتصادية واجتماعية،
بعد ان يصبح الفرد فيها، أكثر من كونه رقماً، أو شخصاً، الى آلة فاعلة في دولة يتجشم الجميع فيها، مسؤولية رعاية الفرد حتى في حالة العجز أو المرض. من هنا تكون البداية، في التأسيس للثقة المتبادلة بين الدولة والمواطن.


4
تجديد الخطاب الاجتماعي

عدنان أبوزيد
 
تجديد الخطاب الاجتماعي وترميمه، يُصبح واجبا مع انتقال الخطاب الإعلامي من التركيز على السياسة الى أدبيات ونظريات الحركات الاجتماعية وأبرزها التظاهرات، وما تفرزه من مفاهيم وسلوكيات جديدة في المجتمع العراقي تتجسد بشكل واضح في ساحات الاحتجاج التي تحمل الى جانب مقاصدها السياسية، الرغبة في التغيير الاجتماعي.
 
المثقف العضوي، سيكون عاملا حاسما في توجيه النقلات الاجتماعية، بما يمتلكه من أدوات اختبار وتشريح في تفكيك العقد الاجتماعية، الناجمة عن الجهل، والانغلاق على العالم طيلة عقود، فضلا عن الاشتباكات السياسية التي رسمت اتجاهات متخبطة في التطور الاجتماعي.
واذا كان دور المثقف يتلخص في توجيه بوصلة التغيير، وتنظيك السطوح الاجتماعية الجديدة، فانه وبحكم وعيه سيكون حريصا على الموروث الثقافي والعُرفي، وان لا يجعل من الإبدال فرصة للانفصال عن التاريخ، وحتى الجغرافيا، فيما يتوجب عليه تأطير النشاطات الثقافية للحركات الاجتماعية والبحث في الدوافع الاحتجاجية وتفسيرها لأصحاب السلطة والقرار السياسي.
 
المٌتوقّع، هو تقدّم الأنتليجنسيا والأيديولوجيات، الصفوف في التظاهرات التي تجاوزت كونها فعالية سياسية الى اجتماعية تفصح عن ارهاصات الجيل الجديد، ورنينه المتميز في أسلوب الحياة، وتطلعه الى أعراف مجتمعية جديدة، بحكم الانفتاح الذي تفرضه محرّكات التواصل العالمي.
 
من مخرجات التظاهرات، انحسار النظرة الدونية المُتبناة من قبل النخب الاجتماعية والسياسية تجاه أفراد المجتمع البسطاء والفقراء، الذين يتمكنون اليوم من امتلاك ناصية الخطاب، وقيادة الشارع، وفرض المطالب، والتحكم في الازمة وهو متغير اجتماعي يحتّم على المثقف العضوي تشريحه على منضدة التنظير والتطبيق.
 
أكثر من ذلك، فانّ على الأنتليجنسيا العراقية، الانتساب الى الدور التوجيهي القيادي الميداني، في المجتمع لاسيما الاحتجاجات، بدلا من الانكباب فقط على الأعمال الذهنية المعقدة، ذلك ان دورها يتجاوز التنظير الى ترسيخ
الفعل الاجتماعي الجديد، الذي يجب ان لا ينصرف من دون رياسة توجّهه نحو الأهداف المقصودة بعيدا عن الوجهات العرضية التي يمكن لها ان تحل محل الهدف النهائي.
 
تعوق التظاهرات الشعبوية في العراق والدول الأخرى، المفهوم الذي يرَكَن المثقف في أبراج من الترف الفكري المحض، المتعالي على التفاصيل اليومية في مجتمعه، وما يجب ان يحدث اليوم هو العكس تماما، ذلك ان الكثير من الثوريين الاجتماعيين في العالم استلهموا التحليلات والاستراتيجيات من التفاصيل الصغيرة، التي رصدوها من تفاعلهم الميداني مع الناس وحثهم الى عدم الارتهان الى الخيالات والأوهام، التي تعشعش في برامج تنميط الجهل.
 
يتحدث كتاب "صعود الأنتليجنسيا" بالإنكليزية عن النخبويين الثقافيين الذين يرون أنفسهم موظفين مفكرين تابعين للدولة الحديثة، ولم يتفاعلوا مع التظاهرات الشعبية التي اسقطت النظام الشيوعي في بولندا، مثالا، لا حصرا.
 
و يعرّف الفيلسوف كارول ليبيلت نخب الأنتليجنسيا في كتابه "عن حب الوطن" الذي صدر العام 1844، بانهم الأشخاص المتعلمون الذين يتعهدون بتعميق الأخلاق في ثورات التغيير.
وكان للأنتليجنسيا الدور في مشاريع التأميم في أواخر القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة التي أسست لها الجماعات اليسارية، و كان لها الريادة في ترصين الحركات الاجتماعية الحديثة في فرنسا، وجّسدت الطليعة في التظاهرات التي قادها الشيوعيون في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي في أوربا وحتى الولايات المتحدة.
 
في العراق، فانّ لا مناص من نزول الطليعة المثقفة الى الشارع، لاستيعاب تجربة شباب محتج خرج من بقايا اتون
أجيال الحروب، وان تكون حركة المثقف، جدية وعملية، لا حالمة فقط، على طريقة هنري ديفيد ثورو، الذي قال "عندما أسمع الموسيقى، لا أخشى أي خطر، أنا محصن"، ذلك ان استيعاب المتغير الاجتماعي العاصف الذي تجسده احتجاجات العراقيين يحتاج الى ما هو اكثر من رنين الآلات.
 


5
الصحف تتفوق على مواقع التواصل اجتماعي

عدنان أبوزيد

حسمت وسائل النشر الجديدة والتواصل الفوري، الكثير من إشكالات تبادل المعلومة، بما فيها الأسرار، ومصادر الأخبار، والتشاركية مع المتابع، ليبدأ عصر جديد في الاعلام، يخلو من عبارات من مثل "غير صالح للنشر" أو "سر ينبغي عدم التفريط به"، أو "التحقّق من المصدر".

وحتى على مستوى الاجتماعات الخاصة، والسرية، فان تمرير الاخبار إنْ لم يكن تسريبها، في ذات اللحظة، ما عاد
أمرا عسيرا، ذلك ان تصريحا في حلقة مغلقة ينقلب في خلال لحظة، الى خبر عظيم يجتاح المواقع الرقمية،
ومنتديات الحوار، ومنابر التواصل، فضلا عن مجموعات التراسل الفوري.
ويتجاوز نقل الخبر، النصيّة، الى الصورية، والفيديوية، مع تطور الهاتف الذكي، وآلات التسجيل الحساسة، مُنهيا، والى الابد، حقبة الخصوصية والكتمان.
 
أكثر من ذلك، لم يعد هنالك، جدوى لمصطلح مثل "تسريب خبر" أو "سرقة محتوى" لان الجميع مفضوح أمام مرآة الترابط المباشر والنشر السريع، كما تنتهي بشكل واضح عبارة "سري للغاية" حتى في المخاطبات البينية بين مؤسسات دولة ما، لان التواصل الاجتماعي لم يعد يعترف بهذه القاعدة، وينشر كل ما يصل اليه من دون الحاجة الى التيقّن من صواب الخبر، او اسم المصدر، لان الحقيقة ستفرض نفسها، وفيما اذا كان الخبر كاذبا والحدث ملفقا، بعد ثوان من الوقت.

يتعدى الانقلاب المعلوماتي، الجانب التقني الى الاجتماعي، ذلك ان المصداقية ستكون ديدن الناشر والمتلقي، لان الطرفين يدركان ان الحقيقة ستكون هي الراسخة في النهاية، ليقوّض ذلك، التصيد في المواقف والاخبار، ويحسر النفاق الاجتماعي والإعلامي، الى حد كبير.
 
فضلا عن كل ذلك، فنحن أمام صحافة الفرد، الذي لم يعد متلقيا، فحسب بل ناشرا أيضا، ومصدرا للأخبار، وقد دفع ذلك الأمم المتقدمة الى سن قوانين المعلوماتية، التي تتضمنها الأنظمة المحلية والاتفاقيات الدولية على حد سواء.
في جانب آخر تصبح الشفافية، غاية المسؤولين والحكومات، والمؤسسات، والشركات، لان عملها لم يعد بين الجدران المغلقة، بل في مساحات تفصلها ألواح شفافة، نافذة، صوتا وصورة.

وفق ذلك، تصبح الحقيقة ناصعة فيما يخص الأوضاع في البلدان، ولم يعد صعبا، تقصي المعلومات والاسرار عن الدول، وإدراك الحقيقة بعيدا عن الاشاعات والتشوهات، بل وحتى اطر التجميل والطلاء لهذه الجهة او تلك الشخصية او ذلك الزعيم، او تلكم الدولة، فإنها تتداعى في وقت قياسي اذا لم تمت الى الحقيقة بصلة.

وفي دليل واقعي، فان مشاهداتي للمواطنين في بلدان مثل المملكة المتحدة وهولندا، تشير الى انها باتت تمتلك صورة
اشد وضوحا وأكثر نقاءا للمشهد في العراق والشرق الأوسط، وان تشويه صورة العرب، لم يعد ممكنا، الا على نطاق ضيق، وان الحقائق باتت على الطاولة الجمعية، بشكل عام وليس النخب وحدها، وقد أتاح ذلك إزالة اللبس المعلوماتي
المتشكّل تاريخيا بحكم صراع الحضارات، وتضارب المصالح، أو تفاعلها.

تتفاعل الصحافة الجديدة مع القارئ، أيضا بمستويات لم تصل اليها صحافتنا، ذلك ان صحيفة الجارديان تتيح للمتابعين،
الحصول على المال، او الاشتراك المجاني في منتجاتها على مستوى الخبر، او التحليل، مقابل رفدها بالمعلومة، وإتاحة الوصول الى المصدر، في مشروع استثماري، يؤسس لعلاقة مادية أيضا مع المتابعين تتجاوز حقبة الإعلان التجاري الصرف، الأحادي الجانب، من ناحية كون المتلقي، مستهلكا فقط.
ويبدو ذلك مستغربا بعض الشي، فبينما تضع مواقع التواصل الاجتماعي، المحدّدات والشروط على المحتوى، فان صحفا رقمية تفسح المجال للنشر في معادلة تنقلب لصالحها، لذا فان المتوقع ان الصحف الورقية التي تحولت الى رقمية، والتي هي رقمية أصلا، سوف تتطور الى نماذج لمواقع تواصل اجتماعي، تتحاور مع القارئ آنيا، وتنشر له، وتؤسس لشبكيات تواصلية دائمة على غرار فيسبوك و تويتر.
بل ان الصحف، على ما يبدو، وهو ما يحدث اليوم في أوربا والولايات المتحدة، تتغلب على مواقع التواصل الاجتماعي بالدفع مقابل المادة الصحفية، متجاوزة أنماط التمويل الإعلاني، فضلا عن انها تتفوق، في جودة المحتوى.

6
العراق يخسر الاستثمار في منصّات التواصل   

عدنان أبوزيد

السوشيال ميديا يستبطن المجتمع العراقي، ويهيمن على فضاء كبير من حياة الناس، وأصبح الترابط معه، شعبيا لا يقتصر على شريحة معينة، وذلك نقطة إيجابية، تعزّز التعامل "الداخلي" بين الأفراد، وتوطّد التواصل مع العالم.

مضاد لذلك، لا يتوافر العراق على دراسة علمية -على حد علمي- عن اعداد رواد المنابر، والنتائج الاجتماعية والمعرفية المتحصّلة من ذلك، على رغم انتشار الجامعات، والمعاهد، ومراكز التحليل وهو أمر لا تعدمه الدول المتقدمة، التي أرست له حيّزا مهما في مناهج الدراسات الاجتماعية.
 
تتجاوز أهمية السوشيال ميديا كونه قناة تواصل، الى اعتباره آلية متطورة لجمع المعلومات، وقياس اتجاهات الرأي، التي تساهم في وضع الخطط التنموية، وفي إحصائية، فان نحو 5 مليار من السكان في العالم يستخدمون الإنترنت والسوشيال ميديا.
 
السؤال: كيف يمكن الاستثمار في تهافت العراقيين - وجلّهم من الشباب- على السوشيال ميديا، وكيف يمكن توظيف
الشغف في يوتيوب، مثالا، لا حصرا، لغايات التنمية، وأنّى يمكن توجيه توفر المعلومات بكميات ثرية وهائلة، الى خدمة أغراض التخطيط وخلق الوظائف، وتعزيز الاقتصاد.

لقد انتشل الاستثمار في قطاع الميديا التواصلية، اقتصاديات الكثير من الدول من الشلل، وأتاح ملايين الوظائف للشباب، واسّس لشركات كبرى، فيما الانشغال الواسع بالتواصل الاجتماعي، والتغريد والتدوين، في العراق، لا يتعدى كونه هواية، وقضاء وقت، وسجالات سياسية واجتماعية تعمّق الانقسام والفضائحية والتسقيط المتبادل، بدلا من تحويله الى تجارة رابحة، ومؤسسة معلوماتية.

في بلد مثل هولندا، تلج منصةُ الواتساب، الصيدليةَ وعيادة الطبيب والباص، والسوبر ماركت، والبلدية، لإنجاز المعاملات، وضبط المواعيد، ونشر الاستطلاعات، فيما أدخلت شركات ودوائر ومؤسسات، تطبيقات التراسل الفوري للوصول الى الزبائن، والتعجيل في خدمتهم وايصال الرسائل، وتبادل الرأي.

كانت المنصات، الفتيل الذي أشعل ميدان الاحتجاج بأوكرانيا حول اتفاقية التجارة الحرة. ووظّف الحزبان الرئيسيان، العمال والمحافظين، في بريطانيا، استثمارات ضخمة في التواصل الاجتماعي، خلال انتخابات العام 2015. وفي العام 2008، استخدم أوباما Facebook للوصول إلى جميع الأشخاص الذين يحتاجهم لتشجيعهم على التصويت.

هذا في السياسة، اما في نطاق الإعلان التجاري، وتسويق المنتجات والماركات، فان الأمثلة مليارية، لا يتسع المجال لذكرها في هذا النطاق.
العراق يتأخر بشكل مريع عن الاستفادة من هذا التطور المهم على رغم انتشار فيسبوك وتويتر وإنستغرام بسرعة مذهلة في أوساط الشباب، ويدل على ذلك التظاهرات التي وثّقت الكثير من احداثها عبر هذه القنوات وتمكنت من إيصال رسائلها الى العالم. وقياسا الى انجاز الشباب المتظاهر، فان المؤسسات الحكومية، تثبت العجز في الاستثمار في هذه الأدوات المهمة.

يلمس المراقب، للمنصات العراقية، غيابا واضحا للمعالجات الاجتماعية، والاقتصادية، والقطاعات التخصصية، الا فيما يتعلق بالسياسة، فيما راح النواب والسياسيون، يمطرون المنصة بأفكار مجترّة، ونصوص دعائية من باب اثبات الوجود. 

وفي مجتمعات الأنظمة الدكتاتورية، والأخرى المحافظة، كان هناك تخوّف واضح من اختراق التواصل الاجتماعي
للخصوصيات، ولان إدارات المنصات أدركت ان ذلك يمثل عقبة امام انتشارها، لم تنتظر، وتصرفت بذكاء لتجاوز ذلك، وأنشأ Facebook ثقافة مشاركة خاصة وأمينة وموثوقة، لكي لا يقلق الناس بشأن مشاركة معلوماتهم الشخصية وغيرها من المعلومات المهنية. كما ان العلامات التجارية التي لم تعد تقلق من المنافسين لها في المنصات ما ساعدها على خلق الملايين من الوظائف، وتمكنت من إنشاء خطوط تسويق كاملة عبر الإنترنت.

يتوجب إدراك انّ المنصات الاجتماعية، لم تعد نوافذ للدعاية الانتخابية والترويجية، بل باتت قطاعا مهما في عالم المال والبزنس، واداة مهمة في تغيير المجتمعات، عبر توظيف المعلومات والتواصل في خطط المشاريع، وبرامج المستقبل، وقد تجسّد ذلك بشكل واضح في تأسيس الدول المتقدمة بصورة مبكرة، لمشاريع الحكومات الإلكترونية، التي لم تحقق تسهيل الخدمات للمواطنين فحسب، بل زادت من أرباح الميزانيات الحكومية والشركات الخاصة على حد سواء.

 
 





7
المنبر الحر / ديمقراطيات فاشلة
« في: 20:20 29/04/2020  »
ديمقراطيات فاشلة

عدنان ابو زيد

تَبَنّي الديمقراطية، رمزا ونظاما، لم يعد كافيا، ذلك انّ التطبيق هو الذي يحسم النتائج، اذ طالما اسرفت أحزاب وأبحاث في النظريات، التي ما انْ توضع على المحك، حتى تُدرَك انعدامية آلياتها، وعد قدرتها على تلبية التطلعات.
نظم ديمقراطية كثيرة حول العالم، يتقوّض الكثير منها عند مفترق التنظير والتطبيق، وفي بعض الدول فان ارتباك المواقف بسبب سوء تنفيذ النظرية الديمقراطية، جعل الشعوب تندم على خيارها السياسي هذا، لتعود تواقة الى نظام شمولي، بل وحتى إلى حكم العسكر.

الاختلال الأكبر يُرصد في ديمقراطيات العالم الثالث، في الميلان عن أخلاقيات الديمقراطية، وتأزيم ولادة نظام سياسي قادر على تحقيق الاستقرار، لتتحول منتجات الديمقراطية، على شاكلة شركة تعترف بوجود خلل فني في سياراتها وهي مضطرة اليوم لسحبها من الأسواق العالمية، بسبب تزعزع ثقة المستهلك بمنتجاتها.

في أدبيات السياسة، فان الديمقراطية أضحت تفاحة مُتخيّلة لكنها غير قابلة للقطف، ليعيش الشعب في حالة من الأخيلة الافتراضية، حيث الجميع يتغنى بالديمقراطية، لكنه لا يتذوق ثمارها، معتقدا انها سوق تنضج، يوما ما.

في غينيا الاستوائية، قال المراقبون الدوليون، ان الديمقراطية خائبة تماما، ولم يعبد يعبأ لها الشعب ما يدفعه ضد نظام سياسي هتف له وحلم به من قبل.

غينيا بيساو تتبجّح بديمقراطية شكلية سمحت بتداول منصب الرئاسة فيها منذ العام 1979، لكن الشعب يمضي الى الانتخابات مًكرها لأنه يدرك النتيجة من قبل.
وانتقل الزعيم موغابي في زيمبابوي عبر آليات ديمقراطية هزيلة من جبهات التحرير إلى سدّة الرئاسة، ليحكم الى الأبد.
ويحدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفي جيبوتي، وفي تشاد وفيتنام أوغندا، ان الأحزاب تتقاسم الأصوات، بعد التلاعب بصناديق الاقتراع.
وبلغ الفشل ذروته، بعزوف وسائل الاعلام الحر، والمنظمات المراقِبة العالمية عن الحضور الى دول الديمقراطيات الصورية، لأنها تجد في ذلك، مضيعة للجهد والوقت، ومساهمة في تسويق استبداديات حقيقية، ففي فنزويلا، فان مقاييس فريدوم هاوس لا تمنح ديمقراطيتها، درجات النجاح الكافية.

بولندا ما بعد الشيوعية، لم تنجح في ديمقراطيتها، بعد تناسل احزاب سياسية تبحث عن مصالحها، وتمخض عن ذلك
اقتصاد منهك، ما دفع الشعب في استطلاع، الى الإعراب عن ندمه على النظام الديمقراطي، وفي العام ٢٠١٢ بلغت نسبة الذين يؤيدون الحكم العسكري، 22%.

لبنان، مثال لديمقراطيات عربية، تتبنى التقسيمات المذهبية والقومية في تقاسم السلطة، تحوّل فيه النظام السياسي، الى تعبير عن الكانتونات، التي تقسّم الشعب، وليس عن الوطن الموحد، فضلا عن ان ديمقراطيته طوال عقود لم تحقق استقرار سياسيا واقتصاديا.
وفي العام ٢٠١٨، غابت كل الدول العربية عن قائمة التقرير السنوي لمجلة الايكونومست عن الديمقراطيات الحقيقية في العالم.
وفي الديمقراطيات العريقة، اطل الوجوم بين ثنايا الأزمات أيضا، وعلى رغم انه لم يتهدد الأنظمة كما في فرنسا حيث
الاضطرابات العمالية والوظيفية، وفي خروج بريطانيا الذي أدى التصويت الديمقراطي على خروجها من الاتحاد الأوروبي، الى انقسام مجتمعي.
وعلى رغم من رواج الديمقراطية بين البلدان، من 11 ديمقراطية فقط في العام 1900، إلى 86 دولة في العام 2006، فان الباحث الأمريكي ياشا مونك في جامعة هارفارد، يذهب الى القول بان ثقة الشعوب بالديمقراطيات، في أدنى مستوياتها حتى في معاقلها التاريخية، مثل الولايات المتحدة الامريكية، حيث بات انتخاب دونالد ترامب، نوعا من القصص الخيالية في تاريخ الديمقراطيات، والدليل على تراجع الليبرالية الغربية.
وبجواب بسيط، يرى مونك ان الكراهية للديمقراطية تدب في نفوس الناس لان النظام لم يعد يفي بوعوده الأساسية، في ترجمة الإرادة الشعبية إلى سياسات عامة.
والسؤال، ما إذا كانت الفرصة سانحة الى الان، في اقناع الناس بأن الديمقراطية الليبرالية، رغم كل عيوبها، لا تزال هي النظام الأفضل لتنظيم المجتمع.

8
 

تثوير الشعوب بـ "الواتساب"

عدنان أبو زيد
 
لا يبدو النجاح حليفا للديمقراطيات في الشرق الأوسط، لاسيما البلاد العربية، بعدما آلت نظريات التغيير السياسي، في دول مثل العراق ولبنان، الى عدم استتباب واضح، فيما لم تقدمّ الدول التي هبّت عليها رياح الانتفاضات، في ليبيا وتونس والجزائر، والسودان ومصر، تجاربا يُبنى عليها، ويُقتدى بها.

بل انّ الذي حدث هو تفاقم تيار معاكس يمضي الى غير الطريق المُراد منه، في الوصول الى ديمقراطية حقيقية.

في مقال كتبه الكاتب الاميركي، والصحافي السابق بجريدة "وال ستريت جورنال" روبرت مري، فانّ الولايات المتحدة تعقّبت في بلد مثل العراق، مشاريع دعم الديمقراطية، لكن واقع الحال، يكشف عن انّ بنية المجتمع والبيئة السياسية والقوانين، والتأثيرات الإقليمية، جعل من تدوير الحياة السياسية بمحرّك الديمقراطية المستوردة، غير ذي فائدة.

الولايات المتحدة تبنّت عبر عقود، برنامج نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، وكان أبرز محاولاتها، في اجتياح العراق، العام 2003، متأملة في انّ الدروس المستقاة من التجربة العراقية، سوف تكون مثالا ورمزا لدول المنطقة.

العراق ليس استثناءً، ذلك ان الكثير من الدول تشعر بالإحباط والتثبيط، من انهيار المسار الديمقراطي، بعدما نجحت القوى المهيمنة، النقلية والعرفية و"التراثية" في تعويق التغييرات.

في الكثير من الدول التي تقف وراء واجهة الديمقراطية، يمكن للمحاكم الدستورية – مثلا – ان تفرض رأيها على الشعب، كما يمكنها الغاء نتائج الانتخابات البرلمانية، فضلا عن ان المُستحكم على الحياة السياسية هي الدكتاتوريات الحزبية، والعائلية والعشائرية، في الكثير من البلدان.
تهتاب دول في الشرق الأوسط من المشاعر والخوالج الديمقراطية الفياضة، وتسعى الى الحؤول دون شموليتها وتحولها الى فعل دائمي في الحياة، اذ يُراد لها ان تكون موسمية، في وقت الانتخابات ثم يعود كل حال، الى ما كان عليه.

مري في كتابه "رمال الإمبراطورية" يذهب الى ان انتصار أميركا في الحرب الباردة أسدى القوميين، الإيمان في أنفسهم، وباشر رؤساء أميركا مثل جورج بوش الأب، في الحديث عن النظام العالمي الجديد، وبلغت موجة الدعوات (المثالية) لنشر الديمقراطية في الشرق الاوسط ولو بالقوة على أشدها حين خطب الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن خلال فترة رئاسته الثانية في العام 2005، مهيبا بالأميركيين، الوقوف معه للقضاء على "الاستبداد في العالم".
وعزّزت حرب تحرير الكويت ثم الاجتياح الأمريكي للعراق، هذه الثقة، التي بدأت تترنح اليوم بسبب نتائج ثورات الربيع العربي السلبية، ومن ذلك اسقاط نظام الزعيم الليبي معمر القذافي، الذي آل الى فوضى عارمة.

يُرجع المؤرخ والكاتب الألماني، أوسفالد شبينغلر، فشل محاولات ارساء الديمقراطية في العالم العربي والاسلامي الى جبروت القوى الاجتماعية والدينية التي تؤمن بالفعل الجمعي وليس الفعالية الفردية، معتبرا انّ من اسرار نجاح الغرب في هذا، هو تضخّم الانا على حساب فكرة التسليم التي كانت تسود ايضا الفكر المسيحي، وقدرة الفرد على الفعل خارج الجماعة الدينية والاجتماعية، ونجاحه في الفصل بين الدولة والدين.
الذي يتحكّم في مسارات ديمقراطيات عربية، غير ذلك تماما، حيث الحكم والدين متشابكان، وحيث الثقافة الاجتماعية التي تفضّل الانطواء على الانفتاح، وتقرّ بالمعتِق الفرد، والقائد التراكمي، الاستبدادي.

في عهد دونالد ترامب، يعود الأمل مجددا بيْن ساسة الغرب والولايات المتحدة، في تغيير الشعوب الأخرى وإعادة صناعتها عبر دعم التثوير بالريموت كونترول والفيسبوك وتويتر والتراسل الفوري، تمهيداً لجني ثمار الديمقراطية في المنطقة. والجديد في أدوات التغيير ان الغرب بات يمتلك أدوات التواصل الاجتماعي، التي تمكنّه من التواصل المباشر مع الشعوب عبر ترابط مباشر، لا بواسطة أنظمة وحكومات.

9
التعدّدية الثقافية لا تعني العولمة
عدنان أبوزيد

يقول العلماء انّ اتقان أكثر من لغة، والتعرّف على الثقافات المتعدّدة، حتى في حالة أنك لا تندمج معها، يساهم بشكل جذري في صقل الاعتبارات الأخلاقية، ويسمو بأنماط السلوك الإنساني.
وأكثر من ذلك، فان مهارات اللغات لدى الانسان، الى جانب اللغة الام، تمكنّه من التلائم مع بيئة ترابط إيجابية، وقدرة على حل المعضلات الاجتماعية والتواصلية والثقافية، أكثر من أولئك الذين يجيدون اللغة الأم، فقط.
وسائل التواصل الاجتماعي، والترجمات الرقمية الفورية، تؤسس لبيئة عالمية متعددة الثقافات، توفّر الزمن والمسافات نحو مجتمع عالمي، يختلف تماما عن أنماط التجمعات الإنسانية التقليدية عبر العصور، فلأول مرة يتحقق مشروع الانسان الكوني، الذي يجد نفسه قادرا على التفاهم والتواصل، واستيعاب ثقافة أي مجتمع، بسبب تكنيكيات العلاقات المستحدثة، وأساليب استعراض سيل غزير من ثقافات الأمم، عبر الميديا.
يعتقد باحثون، ان مفهوم "المجتمع الوطني"، سوف يتلاشى في المستقبل، وسوف يضمحل تأثير أية مجموعة قومية او اثنية او دينية معينة، وسوف تنقرض النظرة العنصرية، لصالح الإنسانية المصقولة بالتربية "العالمية" التي توفرها وسائل "التواصل العالمي"، التي تفرض الانفتاح بين الشعوب، حتى على حساب الميزات التي يتم عرضها من خلال التاريخ واللغة والغذاء والفنون والجغرافيا والقيم الأسرية والمعتقدات، الامر الذي يهمّش الانقسامات العرقية والدينية، ويحد من سوء الفهم، وقد ثَبتَ ذلك بشكل واضح في مجتمعات اوربا الغربية الحديثة، التي تبنّت مفهوم التعددية الثقافية والدينية، واسّست لتربية اجتماعية تبدأ من نشأة الفرد المبكرة، في انّ الانسان مواطن عالمي، وانّ وطنه، الكرة الأرضية.
من المهم جدا، التمييز بين التعددية الثقافية والعولمة، لاسيما وان الكثير من الناس لا يدرك التمايز، في ان المقصد من تعدد الثقافات هو التناسق والتفاهم الكوني، بالدرجة الأساس، فيما العولمة، تحمل بين أجندتها، أهدافا سياسية، في سيطرة الثقافة العضلية على الواهنة، وتسييرها وفق اشتراطاتها وقواعدها، مع عدم نكران او اختصار، الفوائد الإيجابية للثقافة الغالبة.
تناهت المجتمعات "المتطورة" الى حقيقة ان تلاحم الثقافة المحلية مع المعرِفات الوافدة، يحقق المثل الإنسانية العليا، ويصفّي المجتمع من رواسب العنصرية والاستعلائية، وقد نجحت تلك الشعوب عبر التربية القومية المتسامحة في المدرسة، والمنابر، من بناء مجتمعات متعددة الهويات الفرعية، اكثر تجانسا وانتاجا من المجتمعات التاريخية التقليدية، الأحادية القومية او الاثنية او المذهبية.
وفي بلد مثل هولندا، تحقق سياسة الإدغام الاجتماعي الهولندية، الكثير من الإيجابيات، حتى باتت المدارس الإسلامية تقوم بمهامها الى جانب مدارس الديانات الأخرى، في تسامح ديني مثالي، بل تعدى ذلك الى تفاعل الأديان فيما بينها.
وتكاد السويد تتغير ديموغرافيا في العقود الأخيرة بسبب "التساهل الثقافي" الذي أدى الى موجات كبيرة ومستمرة من المهاجرين، وكلما زاد التنوع، انحسرت التوترات، والسلوكيات العنصرية.
تعتمد الفلسفة الاجتماعية الاوربية على حقيقة ان البشر متساوون، في الحقوق والواجبات، فيما هم على غير ذلك في الثقافات، سوى في مستوى الوعي، وقد بلورت "الفلسفة الانتشارية"، حقيقة النظرة العادلة الى البشر، لكنها تعترف بان هناك بؤرا ثقافية متخلفة وأخرى متطورة، مثلما هناك أخرى متعصبة، أو متفتحة، وهو ما يؤدي الى الصراعات السلبية.
وفي كندا، يسير المجتمع منذ إرساء الحكومة، على سكة سياسات تعددية الثقافات وتبنيها كأيديولوجية، بشكل رسمي، منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، موليةً أهمية اجتماعية للهجرة الوافدة لتدعيم المجتمع بالأيدي العاملة، والطاقة البشرية.
الدول الغربية، عملت بهذه القاعدة ونجحت في استقطاب العبقريات من كل ينابيعها الثقافية، وتمكنّت من استثمارها، جاعلة من البيئة بؤرة ثقافية متقدمة، تقيس قيمة الانسان من انسانيته أولا، ثم مهاراته وقدراته على الابتكار والإنتاج، من دون النظر الى الهوية الخاصة.

10

تهميش المبدع والمبتكر وتعظيم الدجّال السياسي والمشعوذ العقائدي

عدنان ابوزيد

 الفضائيات ووسائل الاعلام، لا تدّخر وسعا في اجترار المعالجات السياسية و"العقائدية"، عبر "نجومها" و"دجاليها" المعروفين، فيما يركن الفاعلون الثقافيون والكتاّب وأصحاب الفكر والمبدعون والمهندسون والصناعيون والأطباء، على الهامش، وبات الاهتمام بهم معدوما تماما، في ظاهرة لم يألفها الاعلام العالمي، الذي وإنْ اهتم بالسياسة وادواتها في نشرات الاخبار، لكنه يعوّض عنها بتناول الجوانب الأخرى في المجتمع لاسيما الثقافية والفكرية منها، في الحوارات، والبرامج، والأبحاث المتنوعة.

يرتبط هذا التهميش، بخلل آخر تمارسه الوزارات والمنظمات والجمعيات، حين تعجز عن مبادرات الحفاوة والتكريم بأدباء وفنانين وشخصيات ثقافية أو فكرية أو إعلامية، وفي الحالة التي تحصل فيها، فإنها لا تتجاوز الاعتراف الشكلي، بدور المثقف او الفنان او العالم او الأكاديمي في احتفاليات طارئة ارتجالية وصدفية، تُمنح فيها الاوسمة والقلائد، ونياشين التكريم، فيما الحاجة تتطلب غير ذلك تماما، في التثمين الحقيقي الذي يسعف المبدع في حياته، ويسدّ حاجته، ويجعله منصرفا لإبداعه، وتشجيعه على استمرارية العطاء والإنتاج.
ولن يكون ذلك الا بالتأسيس الى قوانين، تجعله في أمن معيشي، معزّز الكرامة، وتتيح له المدخول المادي المناسب الذي يمول مصاريف الأبحاث والكتابة والاستقصاء، ويجعله عاكفا على المزيد من الإنتاج، كما ونوعا، فضلا عن ادخار الوقت في الاكتشاف.

لا يتوافر العراق على خطة محسوسة واستراتيجية في تكريم الفاعلين في الثقافة والفنون والعلوم والإعلام والفكر، وإذا مثلت فلن تتجاوز كونها، مهرجانات مدح وثناء، ومنطق مجتر، وشهادات افتخار اعتبارية.

مقارنة بتجارب دول اوربا الغربية، فانه وإنْ كان حتى المواطن العادي يحوز على الراتب والسكن، فان المبدع والمبتكر، ينال من الاهتمام، الكثير والاستثنائي، من دون ان يشعر بالعيش على هامش المجتمع حتى في تقدمه في السن وتوقفه عن الإنتاج، فيما الوقائع تشير الى ان مآلات أحوال المبدعين في شتى المجالات، حين يكبرون في السن، مأساوية، في العراق، تكشف عن شعب عقوق لمبدعيه ومثقفيه وعلماءه.
 
ونذهب في تفسير ذلك الى ابعد من التكريم، وهو التقييم لهؤلاء في المجتمع الذي ينكب على "تقديس" أسماء معينة، شكليا فحسب، ويسعى الى مدحهم في المنابر، ويتداول أفكارهم، من دون التأسيس لمبادرات مجتمعية، تساهم في ديمومة ابداعهم.

وعودة الى الاعلام الذي جعل من الساسة والأحزاب و"الدجالين" في الحياة والدين والشعوذة، نجوم تلفزيون، وجعل من الشخصية العراقية، تركز عليهم في الاكتراث والمتابعة، فان واقع الحال يشير الى ان ذلك اسهم في تسقيطهم بسبب الظهور المجتر، لينقلب السحر على الساحر، ما يستدعي الموازنة في الاهتمام، والعمل على استدراج الرأي العام للترويج للإبداع الإيجابي وتكسير التماثيل السياسية التي ابتلى بها الإعلام والعقل الجمعي لعقود طويلة، على حساب بناة المجتمع الحقيقيون وهم المبدعون وأصحاب الخبرة والاختصاص.
وقد كان من نتائج التفريط، ان المبتكر وجد نفسه في منصات ساحات التظاهر، لا منابر الأحزاب والمؤسسات الحكومية التي كان يتوجب عليها إغواؤه اليها والاستفادة من مهاراته وابداعه.

الأمور تتوجّه الى خلاف مقاصد ترويج الفضائيات والصحف ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي، فما عاد المواطن يعبأ للبهرجة السياسية والإعلامية والثقافية و"الدجّالية"، والدليل ان اغلب الذين يبرزون في شاشات التلفاز من النخب السياسية، و"الاجتماعية" و"العقائدية"، لا يحظى بالتأييد بين التظاهرات التي أصبحت مكيالا واضحا للرأي الشعبي.

على الدولة بكل مؤسساتها، فسح المجال لدور أكبر للنخب الإبداعية، في تقديم حلول للمعضلات، واستقطاب العينات الثقافية والعلمية والادبية والاجتماعية والبحثية الى مشاريع استراتيجية، تخلق فرص العمل، وتضع الحلول للمشاكل، وتبحث في الظواهر، والتأسيس للمعالجات، في عملية انبعاث واسعة للاقتصاد والاجتماع، والصناعة والزراعة والخدمات، فضلا عن ان واجب الأحزاب والتحالفات السياسية يجب ان يركّز على "تطعيم" صفوفها بهم، وتحديث ادواتها بمهاراتهم وخبراتهم.

11
اليمين واليسار في العراق
عدنان أبوزيد
توغِل الحالة السياسية في العراق منذ 2003، في حالة الخصام بين تيار الإسلام السياسي ( المحافظ) والجماعات المدنية التي لا يمكن اطلاق اسم "التيار" عليها الى الان لعدم اطّرادها في جبهة واضحة الأهداف والأدوات والزعامات، فلا زالت محض تشكيلات من متظاهرين نشطاء وكتّاب وفاعلين سياسيين، على عكس جماعات الإسلام السياسي النسقية في أحزاب، وليّة الأدوات المادية في السلطان، والمنابر الخطابية، من مساجد سنية وحسينيات شيعية وتجمعات دينية يصلها المئات إنْ لم يكن الالاف، فيما لم تستطع الجماعات المدنية او اليسارية سوى التحشيد للعصيان المضاد لفترات قليلة في ساحة التحرير، وهو أوج انجاز جماهيري وصلت اليه.
...
لا شك في ان هناك قطيعة تاريخية بين الطرفين. وفي حقبة البعث، تهافت حضور كليهما وتهاوى تحت الضربات، وتمكّن "الحزب الواحد" في ذلك الوقت من استيعاب جماهير كليهما، ففي وجهه اليساري هضم البعث اشتراكيين ويساريين وحتى شيوعيين، وفي
حملته الايمانية، التي أطلقها، أوحى للإسلاميين بانه يستطيع ان يقودهم، وقد كان من نتائج ذلك انه تحوّل الى حزب "ايماني" في سنواته الأخيرة.
...
الاضطهاد الذي لاقاه اليساريون والإسلاميون مقرونا بالقمع العنيف، ترك بصمة قوية على نشاطهم المتخفّي تحت الأرض، بيْد انّ ذلك، لم يشكل تجربة يستفيد منها الطرفان في حقبة 2003، فقد تناسى كلاهما، الاحداث التاريخية، وطفقا في منافسة حادة، إعلامية وتواصلية افتراضية على الأقل، ويمكن انْ تتحول الى حالة من صراع مسلح، اذا ما ادرك الإسلاميون، ان الشيوعيين واليساريين باتوا على نفس القدرة من الحضور والاستقطاب، وأدوات القوة.
...
الأيديولوجية والغلواء في التعبير عنها، تبعد الجانبين عن العمل ضمن السجال المشروع، وضمن النظام الذي يتوجب حمايته، والخشية ان يتحول سباق النفوذ الى الاستنجاد بأدوات التنكيل والقمع المادي والمعنوي، فما انفك الناشطون اليساريون عبر وسائل الاعلام لاسيما منتديات التواصل، يجاهرون بالعداء للجماعات الإسلامية، ويشهّرون بهم، ويعيبون عليهم أفكارهم، "اكثر" ربما مما يفعله الإسلاميون في العراق، الامر الذي ينذر بمستقبل مرير من الصراع.
..
الاستقطاب الحاد يشير الى ولادة جمهور من المتدينين ينبذ المدنيين، ويعدّد مخاطرهم، هذا اذا لم يكفّرهم لاحقا، فيما راحت الصرامة اليسارية التي يمثلها أولئك الذين يوصفون أنفسهم بـ"الثوريين المخلّصين"، يتبنى رؤية أحادية في تفسير الاحداث منذ 2003، تقوم على قاعدة فشل الإسلاميين في الحكم. لكن ذلك لن يستمر الى الابد، فحتى لو ارتفع اليساريون الى السلطة فان أسباب الفشل، ستبقى قائمة، كونها موجودة في اصل النظام والمجتمع، وبنية القوى الاجتماعية المؤثرة.
...
الحالة الإيجابية في العراق هو في استمرار قواعد اللعبة الديمقراطية، على رغم الغطرسة والعجرفة في الاستقطاب الفكري والسياسي بين الطرفين، وقد نتج عن ذلك صراع واضح بين الأسلمة وبين تدجين المجتمع على العلمانية، وقد أدى ذلك الى إعادة انتاج الكثير من الأفكار اليسارية والإسلامية، بطريقة هجينة تكشف تحولات مهمة في المجتمع العراقي لخلق وسطية سياسية وفكرية تنفذ الى التشدد والغلو اليساري واليميني على حد سواء باتجاه الأفكار البراغماتية ووسائلها من دون أدلجة مسبقة.
...
جيلان في العراق:
 نموذج الشباب اليساري الراديكالي، صاحب المزاج الثوروي في نشوة الطفولة اليسارية، والمفتون بأساطير الصراع الطبقي.
اليميني العُصبوي، المتطرف، دينيا،، المنتعش من المراهقة العقائدية .
 


12
سرّ التفوق في الحرفانية
عدنان أبوزيد

تفوّقت أوربا، لاسيما الغربية منها، على غيرها منه الشعوب، في التصنيع الرصين، والابتكار المبهر، واستثمار الأفكار.
وأسست اليابان لحرفانية عالية المستوى عبر تنشئة الفرد منذ الدرس الأول حتى تخرجه من الجامعة، على الاختراع والخلْق، وإتقان الصنعة بطريقة غريزية، في استثمار مثالي للموارد البشرية.

والشخص المحترف، هو ذلك الذي يجيد الصناعة، ويحيق بأسرارها، عبر المعرفة التي يمتلكها، والمؤهلات العملياتية الرفيعة التي يحوز عليها من المران، والتجاريب، والأخلاقيات في ادق تفاصيلها حتى تلك المتعلقة بطريقة التعامل مع الزبون، والالتزام بقواعد ملابس معينة.

يشكل المهنيون في الدول التي ارتقت سلم التطور، النسبة العالية من افراد الطبقة العاملة والمتعلّمة، وفي العادة لا تبرز
عندهم الألقاب، وإنْ حملوا شهادات عالية، لانهم يدركون جيدا، ان العبرة في النتائج، والا فما معنى ان تحمل مسمىً
براقا، وانت لا تتقن ممارسة الوظيفة، ولا تحسن أداء الواجب، وهو امر تكابد منه الكثير من الدول ومنها العراق، حيث
اللهاث وراء المسميات الاكاديمية الشكلية واتخاذها سلما للمنصب والراتب الأعلى، فيما الواقع لا يُفصح عن مهنية لدى البعض من حامليها، ولا إنجازا ماديا، أو مهارة يُعوّل عليها.

قواميس العمل الغربية، لا تصنّف حاملي الشهادات العالية، ضمن الفئة المهنية الا إذا رافق ألقابهم، البرهان العملي لا التنظيري، ذلك ان كتابة الأفكار على الورق لن يكون المقياس، وتأليف النظريات، لن يجدي نفعا ما لم يؤتي ثمارا،
ولهذا السبب يقود المهنيون، المجتمع، حتى في مجالات السياسة والاقتصاد، ويصعد الى مركز القرار، ذوو القدرات
على التنظير والتطبيق.

وفي الجامعات العريقة، فان دور الأستاذ لا ينحصر في إعطاء الدروس للطلبة، بل ربما قضى جلّ وقته في مختبرات التجارب، وفي المصانع لتقديم الاستشارات، وفي مراكز البحوث للوصول الى نتائج عملية مبرهنة للافتراضات.

لا تأتي المهنية عبر التدارس النظري فحسب، بل يُشاء لها ان تستمد روحها من الحنكة العملية، حتى في مرحلة الدراسة للأفراد، الذين لا يتخرجون من الجامعات والمعاهد، أشخاصا نظريين بمسميات، فحسب، بل افرادا عمليين مارسوا العمل والابتكار والانجاز في المختبرات ومراكز التطبيق، وبين المجتمع.

تنتشر في العراق، المئات من الجامعات، التي تٌلقّن فيها الدروس بطريقة بصرية بحتة، وازدحمت الساحة بالألقاب
"العلمية"، ويألّف الطلاب في كل عام، مئات الآلاف من الاطروحات التنظيرية، التي لا تتعدى كونها تلفيقا لمقالات ومعلومات، ونظريات، وكل ذلك من اجل الحصول على اللقب، وليس من اجل وضع النظرية على سكة التطبيق، بل
ان رسالة الدكتوراه او الماجستير، سرعان ما تُركن على الرف حتى من قبل حاملها.

العكس يحدث تماما في الدول المتقدمة، ذلك ان المدارس المهنية تخرّج مئات الآلاف من الطلاب سنويا، من مبرمجين
وصناعيين، وحرفيين، يبنون البلاد، ويوفرون الخدمات، ويبتكرون المشاريع، ومن دون القاب، ورسال شكلية، فيما يضيع الإنجاز المهني في المدارس والمعامل والمتاجر، والدوائر الحكومية والمؤسسات الاهلية في الدول المتخلفة. وانسحب ذلك على استئمان الفرد بالموظف الحكومي واستاذ الجامعة والمدرس والمنتوج الوطني، بسبب تغييب معايير الجودة في الخدمة.

يتجاوز معنى الحرفانية الى ابعد من توظيف الفكر في الواقع، الى القدرة على ابتكار أساليب الإدارة، و تسهيل أمور المراجعين والارتقاء بآداب الوظيفة والالتزام بها، وهو امر لازالت بيئة العمل العراقية، تعاني منه.

يقول مدير الموارد البشرية في شركة مابل هوليستيكس: "الحرفانية علامة على الموثوقية والمسؤولية".

الأمة صاحبة الإنجازات العلمية والاقتصادية والرقي الاجتماعي، لا تركن الى التنظير، وتفريخ الشهادات، والتسميات الاكاديمية الشكلية، ولا تعتمد في مصيرها على المدّعين المعرفييّن، او الذين اوصلتهم الى مراكز القرار، المحسوبية والمنسوبية والعلاقات، بل على الاحترافيين العمليين، القادرين بشكل عملي ومبرهن على الابتكار والانجاز، حينها تدور
عجلة التطور، الجامدة بسبب مقودها المُدار من قبل طارئين على القيادة، الذين يتقمصون شخصيات "مهنية" و"اكاديمية" لا تمت لهم بصلة.

13
المنبر الحر / الثقة السياسية
« في: 18:10 28/02/2020  »
الثقة السياسية
عدنان أبوزيد 

ديمومة الأزمة في العراق، تستدعي استعراض أسباب فقدان "الثقة السياسية" بين النخبة والمحتجين، حيث التصعيد الإعلامي لاسيما الموجّه من الخارج، يوسّع الهوّة، ويعقّد حتى "الثقة السيكولوجية" بين المتظاهرين انفسهم ومع دولتهم، بسبب تراكمات المحنة التي بدت مفتوحة على كافة الاحتمالات.

"الثقة السياسية"، مفردة ليست جديدة، في ادبيات علوم السياسة، وقد اشارت لها الأمم المتحدة في مؤتمرها حول "بناء الثقة في الحكومة" في فيينا العام 2006، معتبرة انها نتاج "التوافق في الآراء بين أفراد المجتمع والنخب السياسية حول الأولويات في البرامج، ونمط الإدارة الحكومية، والتفاعل الإيجابي بين المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية".

فيما يتعلّق بالعراق، فان المتصوّر ان بنية المجتمع العراقي، الدينية والاجتماعية، تتيح الوشائج المنسجمة بين النخب والمجتمع، ما يجعل من عملية بناء "الثقة السياسية" ممهّدة، لكن الذي يحدث هو النقيض، اليوم، لأسباب شتى، بينها،
أسلوب توزيع الثروة، ورأس المال الاجتماعي، وأسلوب مشاركة الموطن في السلطة، التي ترسخت منذ ٢٠٠٣ عبر
ديباجات المحاصصة السياسية والطائفية، فضلا عن الفساد، واضمحلال الدور المؤسسي للدولة، واستشعار الفرد بانها غير قادرة على استيعاب طموحاته.

لا يمكن تجاوز الازمة، الا من خلال استرداد "الثقة السياسية" أولا، بين جوانب العلاقة، كمدخل لاسترجاع "الثقة النفسية" و"الاجتماعية"، عبر إرساء منظومة جديدة من التجاوب الخلاق، بين الافراد ومؤسسات الدولة والأحزاب، وتدعيم ثقافة الثقة Trusting Culture.

يستطيع المواطن "الواثق" بالدولة، ان يتعامل حضاريا مع أي اختلاف، وحتى في الحالات التي يتظاهر، او يحتج فيها،
فان اعتراضه سيكون إيجابيا، نحو البناء لا الانتقام من الدولة والواجهات السياسية بالتخريب والحرق، لان مثل هذا الفرد
المتيقّن، يدرك جيدا ان دولته بنظامها الديمقراطي، يمكن ان توصله الى مركز القرار والسلطة، يوما ما، وان عليه- وفق ذلك-، ان يديم المؤسسات، ويجاري آليات المعارضة السلمية.

المواطن اليقيني، يتحمّس للتظاهر، قدْر اندفاعه الى التشارك في الجمعيات الخيرية، ونبذه الافرازات الطائفية والقومية، واحترامه الأقليات الاجتماعية والسياسية، وتفاعله بإيجابية مع كافة أنماط الفعاليات المجتمعية وتسامحه معها، حتى وان تباين معها في الأساليب والاهداف.

لكن كيف يمكن ذلك؟ المسالة ببساطة تعود الى "الثقة السياسية" حين يدرك الفرد، ان برامج الحكومة تلمس الحاجات المجتمعية، وتستجيب لها، وحين يؤمن الفرد بذلك، يتسامح معها حتى في حالة عدم قدرتها على تلبية بعض تلك الضرورات، لأنه يدرك جيدا انها تسعى الى ذلك، وانّ ظروفا مركّبة، حالت دون التنفيذ.

على العكس من ذلك، فحين ينتبه الفرد الى ان الحكومة منفصمة عن الواقع ولا تدرك التطلعات، فانه يعرض عن
التأييد، بل ويحاول عدم الامتثال للقوانين والبرامج الحكومية، بعدما يصل الى حالة من التقييم السلبي للسياسات العامة، معتبرا ان الطبقة السياسية التي تمسك بالقرار، غير قادرة على توجيه المسارات الى الأهداف المرغوب فيها.

لا يتأتّى السخط الشعبي من انعدام الخدمات وتردي الواقع الصحي والاجتماعي، والبطالة، فحسب، فثمة ظروف قاهرة
تتسبّب في ذلك مثل الحروب، ونقص الموارد، لكنه يولد أولا من ذلك الشعور الجماعي من ان الأحزاب والطبقة السياسية
والاقتصادية غير قادرة على الإدارة او انها مشغولة في تعزيز مصالحها، وتتجاوز مشاعر البغضاء الى ابعد من ذلك فتصوّب أهدافها الى مؤسسات الحكم والنظام، ما يجعل من الشرعية السياسية، في حالة من الارتياب، تقطع الجسور بين
النخبة الحاكمة والشعب، ويترنح الاصطفاء السياسي.
 
لا مفر من الحقيقة، في ان "الثقة السياسية" هي المبدأ في الاستقرار، والتي تؤسَّس على لبنات العلاقة بين الوعود والتنفيذ، باستجابة صاحب القرار لحاجات المواطنين قبل اصحاب الوظائف السياسية والحزبية الرفيعة.
 

 


14
فلسفة المتظاهر العراقي


عدنان أبوزيد

تبصم تظاهرات الاحتجاج، على كتاب العصر العراقي الجديد، الذي بدأ العام 2003، كفعالية مجتمعية عدمها المواطن طيلة عقود قبل ذلك التأريخ، لتكشف عن حرية في الرأي، وحراك معارض، يغيب عن الكثير من الدول الإقليمية المجاورة.

وليست مسيرات تشرين أول/أكتوبر، الاحتجاجية بمستحدثة، اذ انطلقت قبلها المئات من التظاهرات في جنوب البلاد وشمالها، وغربها وشرقها، حتى قيل ان العراقيين أدمنوا الاحتجاج الذي يعرّفه قاموس أوكسفورد الإنجليزي، بانه فِعل أو إعلان عن اعتراض على سياسة، أو مسار عمل، أو إدارة سلطة.

المعارضات العصرية التي تستعرض في الشارع، تطورت في دول العالم الى مفاهيم ونظريات، وهيئات جديدة خلال العقدين أو الثلاثة عقود الماضية، ذلك ان الاحتجاج من قلب لندن الى باريس، الى واشنطن ونيويورك، و شوارع البرازيل التي احتضنت الشعب ضد الحكومة، بات يعتمد على الكتل البشرية الهائلة، لا الطلائع والقيادات التي توجّه الدلالات والشعارات، وقد تجلّى ذلك بنسخة واضحة في ثورات ما يسمى "الربيع العربي" حيث المعارضون يعوّلون على الهيجان والثوران العفوي، وعلى استمرارية وثبات زخم الاحتجاج، كما لم يعد التظاهر مؤدلجا، يحتكره حزب أو رهط معين في المسمى والتصنيف والتبويب، وصار البعض يلمح في الحشود الهائلة، تعبيرا بالضرورة عن الرأي الجمعي، حتى وإنْ لم يشارك جميع الشعب فيها.

فضلا عن كل ذلك، فانّ اغلب التظاهرات تبدأ ارتجالية، تلقائية، لدوافع مختلفة، فيما مأزقها في النهاية، وفي اغلب الاحتمالات، يكمن في محاولة جهات توظيفها نحو غايات ومصالح، وتحويلها الى وسيلة للانتصار على الخصم، بل واستقطابها إعلاميا من دول، ومن ذلك ان جريدة الغارديان البريطانية، اختارت المتظاهر العربي، شخصية العام 2011.

تظاهر العراقيون في العهد الملكي، سياسيا، بشعارات انقلابية، وفي حقبة النظام السابق، كان الحزب الحاكم هو الذي يسدي مشروعية التظاهرات، التي ما كانت لتخرج لولا الشعارات المؤيدة له، اما المعارضون فيعبّرون عن آرائهم بالصمت والخوف، فيما الحاضر يشهد مسيرات، اغلبها مطلبية في تحسين الخدمات وتوفير فرص العمل، حتى كشفت تظاهرات أكتوبر، عن محيا سياسي، يسعى الى التغيير الجذري في طريقة إدارة البلاد.

يسود الرأي القائل، بان على التظاهرات العراقية، ان تبتعد عن التخريب، والتعطيل للحياة، وان تعزل نفسها عن دعوات العصيان المدني، ذلك ان سَحَرة الفرص يسعون الى منفذ لتحقيق شروط فوضى لا خلاّقة، تتقصّد الدولة بالكامل، وذلك بتوظيف الشكاوى التراكمية، وتحويلها الى إشكالية مركبة، بين المتظاهرين والحكومة، يصعب فك عُقدها، وهو ما حصل في فنزويلا وكرواتيا، حين تلاشت إرادة التظاهر في صراع الدول.

لكي تتجاوز الحالة الاحتجاجية، التوظيف المقصود لأهداف وغايات دول ومشاريع ومراكز قوى، فان الحاجة ماسة الى التنظيم الذاتي للاحتجاجات، وان تستتب على حالة من الثقة، وان تتصرّف في سن الرشد، وليس المراهقة السياسية، والحماسة الثورية، الطارئة.

يتّفق الكثير، على ان العراق يشهد تحولا تاريخيا في نوعية التظاهر واشكاله، وقد نجح في تسويق شخصية احتجاجية الى دول العالم، متصدرا قائمة تاريخ الاحتجاجات العظيمة، وزعماؤها من إميلين بانكهورست في الذود عن حقوق المرأة في التصويت مع حق الاقتراع، الى غاندي زعيم حركة الاستقلال في الهند، الى مارتن لوثر كينغ، وهو يقود مسيرة واشنطن في العام 1963، الى نيلسون مانديلا في الانتصار على الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وبعيدا عن رموز الاحتجاج الفردية، المشكوك في شرعيتها  مثل حالة إدوارد سنودن، الذي احتج على سياسات بلاده بتسريب تفاصيل برنامج التجسس إلى الصحافة، في فعل يضرّ بالدولة.

 
 

 

15

أفول المثقف في الأزمة

عدنان أبوزيد

تُوجّه الانتقادات مرة أخرى الى المثقف العراقي، لغياب دوره في أزمة التظاهرات، والملزِم الوطني الذي يحتّم عليه، في التبصير والإرشاد، وحساب أرقام الحل، سواء للمواطن أو لأصحاب القرار.
ليست هذه هي المرة الأولى التي ينسحب فيها دور المثقف الى الخلف، في الأحداث التاريخية الكبرى، والذي لم يقْنص في المناخ الديمقراطي في العراق، - لا يتوفر في البلدان المجاورة- ، فرصة لتوثيق دوره وفرض رؤيته على الاحداث، عدا التدوينات التنظيرية، والإسقاطات التسطيحية في التحليل.
الراصد للفعاليات الكتابية والمعالجات من قبل الكتّاب والمثقفين العراقيين، يرى ذلك الأفول، جليّا سواء في آصراتهم
مع النخب، من أجل تداول الحلول، او مع المتظاهر في ساحات التحرير، للنزول الى طرائق التفكير وتوجيهها، واستيعاب سلوكيات الاحتجاج وإنماؤها الى الأسلوب المتمدّن والمتجدّد.

وعدا الفضائيات التي عاقرت التحليل السياسي الخاطف من قبل محللّين يخلعون مفاهيمهم وطروحاتهم على الحدث في عجالة، انحسرت بصمة المثقف العراقي على الاحداث، وكان يمكن ان يكون له دور بين المتظاهرين في فرض قيادته لها، بدلاً من تسليمها بيد الارتجالية، والفوضوية التي سعت اليها اطراف طارئة، على ساحات التظاهر، وتروم توجيهها الى غير مقاصد المتظاهرين الحقّة في الإصلاح، وتحسين الأوضاع.

يقود هذا القصور الى السؤال عن دور أولئك المثقفين والكتاب الذين يضعون أنفسهم في خانة "الكبار"، فيما الواقع
يشير الى انهم أصبحوا "صغارا" أمام جدّية الحدث، وتعلّق مصير الامة العراقية بنتائجه.

ما يزيد التعييب لأولئك، انّ الكاتب العراقي حرّ، ولديه من النوافذ أضعاف مضاعفة، عما تتوفّر عليه الدول الأخرى، لكنه يافع التأثير على الحدث بشكل واضح.
لا شكّ في ان الكاتب الكبير هو الذي يتماهى مع الواقع، ويرتقي اليه، ويفصح عنه، وصاحب مجسّات تعتمد عليها
النخب في القرار، والمواطن في السلوك.

الذي يحدث هو النقيض تماما، ذلك ان النوافذ الإعلامية والثقافية، والفضائيات، التي تضم طواقم إعلامية وثقافية،
وتحليلية، فشلت في هديّ المواطن، وهو يتظاهر، وقبل ذلك اثبتت إخفاقها في قطف ثمار أطروحاتها السياسية والثقافية
التي وجّهتها الى الشعب لسنين طوال.

كشفت الازمة عن ان الشعارات التي يرفعها المواطن هي على العكس تماما من التحليلات، والاستشرافات في المقالات
والخطاب الإعلامي والتحليلات، كما أفشت عن ان الكتاب والإعلاميين الذي يعهدون أنفسهم أسماءً لامعة، يحرصون على البقاء في المنطقة الرمادية في اتخاذ الموقف من الأزمات الكبرى، منتظرين تداني النتائج لكي يوجهوا بوصلتهم نحو الجهة المنتصرة، في سلوك وصولي ومُتاجِر يكشف عن إجادتهم لعبة الهروب من الموقف الصادق، وتوفّرهم على مهارات المناورة في اللحظة المناسبة.
 
الإعلام الكبير، والقلم الجبّار، هو الذي يستجيب مع الواقع، ويستشعر الناس نبضهم فيه، فيتفاعلون معه، ويستجيبون لطروحاته، ويصدّقون منشوره، وهو أمر في غاية الاعتبار، لأنه يقصي المجتمع عن الانفعال في الاعلام الخارجي المسيّس الذي يسعى الى تحقيق الاجندة الممولة له.
للأسف، فانّ ما يحدث اليوم هو الضد، اذ بات للكتابات والطروحات والرسائل الموجّهة عبر الحدود، التي تمارس النقد المسيّس، زخم أكبر من مثيلاتها في الداخل.

انّ تحريف الأوضاع في العراق، ونشر التدليس سواء حول التظاهرات، أو الجهات الحكومية والأمنية، ينتشر بشكل واسع، عبر أقلام مسيّسة، تُظهر أقساط الحقائق، وترّوج لتمويه الواقع، في رسائل، الغرض الأول منها زعزعة الوضع، وايصاله الى درجة اللا عودة، للإجهاز على الدولة بالكامل.

يبقى الخطاب العظيم، والكاتب الحر، هو في النزول الى الميدان، بأدوات مختبرية تهندس الرأي العام، لا العيش في بوهيمية التحليق في الخيالات والتنظيرات.

16
العراقي يتهافت على السياسة ويترك مهنته "الحقيقية"!

عدنان أبوزيد

واحدة من مظاهر التحول السلوكي، الذي تسْتَشرِفه المعالجات، هو الاهتمام الجمعي بالمنصب السياسي، وتزايد الظفر
به في الديمقراطيات الموتورة، وهو ما يؤشر عليه كتاب "لقد تغير العالم (ص 322)"، الذي يتحدث عن قواعد بيانات متشاكلة تفيد بانه حتى في الديمقراطيات الصناعية المتقدمة، فان ثمة رصد لحالة الاهتمام بالسياسة وصراعاتها للوصول الى وضع مثالي في إدارة الحكم، فيما الانتقال الديمقراطي في بلدان العالم النامي، يؤدي إلى الولع بالمنصب السياسي، بدوافع الجاه، والنجومية، كما في ديمقراطيات العراق وبعض الدولة العربية، وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية.
 
تُوجّه الانتقادات الى السياسيين وممثلي الشعب في العالم الثالث، بأنهم في الغالب، منتوج عملية انتخابية "غير راشدة" تروّعت بها شعوب لا تمتلك القدر الكافي من التربية والتعليم، وتؤثر عليها العوامل الاجتماعية مثل العشائرية، والطائفية، في كيفية تجعل من المنصب، وسيلة للتسلط والإثراء.
 
من الظواهر الجديرة بالملاحظة، ان العموم يحصر السياسة بأداء الحكومة والأحزاب، وهذا صائب، لكنه ليس الحقيقة كلها، ذلك ان الصوت الذي منحه المواطن للحكومة، هو سياسة أيضا، وهو الذي يتجشم مسؤولية أي قانون يُسنّ .

السبب الآخر الذي يجعل الفرد يلتفت للسياسة، هو ضرورة ان يكون له رأي فيما سيحدث، ولن يكون من العدل التخلي
عن رأي شخص ما، في الديمقراطيات العادلة، لان كل صوت يُحدث فرقا في مستويات النفوذ، ويحول دون نفاذ
الشخص غير المناسب الى المكان غير المناسب، لكن هذا ما يحدث في الديمقراطيات ذات العود الليّن، اذ ان المواطن نفسه لا يجعل لصوته قيمة، ويفترض الانتخاب، عملية روتينية، وعبثا.

الرصد في الحالة العراقية، يشير الى ان المنصب السياسي، يصبح الوسيلة الأنجع إلى الطموح والغاية، ما يدفع الى مغادرة الوظائف والمهن، جريا إليه، عبر الانتخابات، أو بواسطة الفرص والعلاقات، في حركية لا تبدو تلقائية.
الطبيب يهجر عيادته، ممارسا السياسة، والمهندس يجهد ويجاهد لأجل منصب سياسي، ورئيس العشيرة، يعزز إمكانياته لاستكمال نفوذه العشائري بمنصب حزبي، أو نيابي.
الإعلامي، الذي يمتلك الوسيلة، لإيصال الصوت، والتعبير عن إرادة الناس، ينصرف عن إبداعه، الى المنصب النيابي او الحكومي.
الفنان يترك اشتغالاته، في الابداع، ويتصارع على منصب في النقابة، والبرلمان.
الملاكم العراقي، ربما يلاكم داخل الحلبة على أمل الفوز، بكرسي الاتحاد..
 
على هذا النحو، تجري الأمور ليتحول الأفراد الطامحون لو اتيحت لهم الفرصة، إلى مسؤولين إداريين وسياسيين، ضاربين هواياتهم وانشغالاتهم وإبداعاتهم، عرْض الكرسي المأمول.
 
 الشعوب، تحتاج الى الإداريين المهنيين، كل من موقعه، قبل السياسيين والنواب، ولعل هذا أحد أسرار نجاح الغرب، اذ لا وجود للمكتب الفاخر الذي يجلس في وسطه مدير متجبّر، ولا تأثير للمنصب على قيمة صاحبه بين الناس.

في الديمقراطيات الصورية، يحدث العكس، اذ المفترض أن يتحول السياسي الى مستخدم للنخب العلمية والثقافية، مشرّعا القوانين والأنظمة التي تسهّل الأعمال، لكنه بدلا من ذلك، يتحول الى رمز للاستغلال والمقام والامتياز.

متى يصبح السياسي مثل حال المعلم والمدرس والطبيب والمهندس، عندها تنحسر الرغبة الى المنصب، وسوف يقود ذلك، أصحاب الاختصاص الى المشاركة العضوية، في الوزارات والمؤسسات، فيما يعبّد السياسي الطريق لهم بالقوانين والتشريعات.

سرّ الاهتمام الزائد لدى المواطن بالسياسة، ناجم عن اعتقاد سائد بان الإنجاز والمجد لن يتم الا حين يصبح المرء سياسيا، بل وانتهازيا، وحين يُعتقد أن المنصب امتياز لا مسؤولية، وحين يشعر صاحب الاختصاص انه مُهان، ليلجأ الى السياسة التي أصبحت مهنة من لا مهنة حقيقية له.
 

17


عدنان أبوزيد

اندلعت التظاهرات المطلبية في العراق، كحالها في البلدان الأخرى، حيث يسعى المحتجّون الى إيصال صوتهم الى السلطات، لكن الاستثناء الذي يميّز حالة الاحتجاج العراقية، هو الخطاب التحريضي، المتلاعب بأفكار الناس لغايات سياسية و"التطلع الخارجي"، الساعي الى انزلاقها نحو العنف المتبادل، كما دلّت على ذلك، الأرصاد الإعلامية.

 

كان المواطنون على حق، وهم يطالبون بالحد من الفساد وتوفير فرص العمل، وتعزيز الخدمات، وهي مطالب تتميّز بها

كل الفعاليات والحركات الشعبوية في العالم، والتي في الغالب ترفع الشعارات من قبل الناس العاديين ضد النخب،

كما حدث في فرنسا وهونغ كونغ، على الرغم من ان هذه الدول تتمتع بمستويات اقتصادية واجتماعية تفوق العراق.

 

أستطيع القول، ان حركة الاحتجاج العراقية، هي جزء من ظاهرة شعبوية عالمية، معروفة الأهداف في العمل على

توليد تغيير في البرامج الحكومية، السياسية والاقتصادية، كل حسب بلده ومجتمعه، حيث يصنف الشعبويون في الغالب، النخب النافذة بأنها منفصلة عن معاناة الناس، وانّ لا مفرّ من الإصلاح.

 

وفي العراق، يزداد الأمر تأزيما، ذلك انّ المسيرات المشروعة المطالبة بالحقوق والخدمات، يتخللها خطاب من جهات متعددة، تسعى الى بلوغ حالة من هستيريا احتجاج غير منتجة، وصولا الى الثقة الصفرية بين الشعب والسلطة. 

 

وساعدت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام الخارجي، على اتاحة المجال الى خطاب تأليبي، يزيد من المهواة بين الطرفين، ويجعل منهما عدوين متقابلين، لابدّ لأحدهما ان يصرع الآخر.

وانتبه الكثير من الشباب العراقي الى ذلك، حيث الخطاب الشعبوي يتحول الى نبرة عنفية، محذرين من الانزلاق الى فوضى التظاهر المسلح.

 

التجارب تفيد، ان التحركات الشعبوية، التي تفضي الى تجمعات واسعة، يجب ان تكون محترزة من استدراجها الى مستنقع الاقتتال البيني، ومن ذلك ان خطاب دونالد ترامب في حملته الرئاسية والذي فاجأ فوزه فيها الجميع، وحمل بشائر الشعبوية اليمينية، صاحبه التحذيرات من حرب أهلية أمريكية. وفي روسيا لاحت ملامح العنف في مطالبات تحرير الفلاحين الروس 1870. والتزم الشعبويون احتجاجات الريف الأمريكي ضد البنوك والشركات الرأسمالية. وقبل كل ذلك، كانت اثينا منبرا اعتلاه الشعبويون من أمثال "كليون"، ضد ديموقراطية اليونان النخبوية، وما خَلّفَتْهُ من فوضى.


 

 أوليفييه ايهل، خبير الأفكار السياسية في معهد العلوم السياسية في غرونوبل، لا يستغرب من كون العنف، او التطرف والحدّية، صفة من صفات الشعبوية، بعد ان وضع لها التعريف بانها "الوسيلة الجمعية للتنديد".

كما يندرج تحتها مفردات مثل "الحمائية" و"كراهية الأجانب" و"الفضائحية"، و"الشعور بالإحباط والدونية"، وكل هذه الوصفات والشعارات، تبنّتها حالة الهيجان العراقي في تشرين أول /أكتوبر 2019.

 

يبدو الخطاب الشعبوي في التظاهرات العراقية، معبرا عن مطالب الطبقات الفقيرة، ويركز -  كحال الخطابات الشعبوية في العالم - على انتقاد الخطط الحكومية، والقوى السياسية، وداعيا الى تحسين الأوضاع. ومقارنة بحركة السُتر الصفراء الفرنسية التي شارك فيها افراد كثر من الطبقات الوسطى، فان كلا الحالين، انزلقا الى بطش غير مسبوق، بل ان الحالة الفرنسية شهدت الاعتداء على المتاجر، والمرافق العامة، والمعالم الباريسية.

في النمسا، فان الشعبوية التي قادها حزب الحرية، كانت اكثر وطأة في العنف لكنها، لم تكن أقل مستوى من حدية الشعارات.

أيضا، فان الحالة العراقية، والفرنسية، فرغت من النخب الشعبوية الكاريزمية التي يمكن تصنيفها كزعامات، يمكن للسلطات التحاور معها، لوضع حد للازمة، وبسبب هذا الغياب، تتحدد خواتيم غير معروفة وغير محسوبة لكل من المتظاهرين والسلطات.

 

لا يغامر المعنيون، الشك، في ان الشعبوية العراقية سوف تكون صاحبة الدور في صياغة المرحلة القادمة، كاستحقاق طبيعي لصعودها العالمي، ولأن دولا سبقتنا الى ذلك، يتوجب الاستفادة من تجاربها في تعزيز المسار الديمقراطي، والتأسيس لنظام وظيفي واجتماعي واقتصادي، يستعيد الثقة بين الجماهير والسلطة، بعيدا عن ديماغوجيا التشويه لكل من التظاهرات والنظام السياسي على حد سواء.

18

أوربا لا تنام حتى تطمأن على مجسّات الفقر.. لماذا؟ 
عدنان أبوزيد
 
اندلعت الاحتجاجات في العراق، وكان أحد أسبابها البطالة، والفقر. في مقالي السابق استعرضت وسائل الدول المتقدمة في الحد من البطالة، وكيف تتزاحم الحكومة ومؤسسات الدولة على خفض معدلاتها، لما لها من خطورة شديدة على الاستقرار.
 
في الدول ذات التجارب الناجحة، لا تقل جهود محاربة الفقر، عن مثيلتها في توفير فرص العمل، كما انّ الاحصائيات الدقيقة عن معدلات الفقر، والمراصد الحية التي تقيسها، والمجسات التي تستقرئ خطورتها، على درجة من الاعتبار، لتأمين قواعد بيانات لبرامج التصدي لهذه المشكلة الاجتماعية.
 
يحدث كل ذلك، على الرغم من ان أطوار الفقر في دول أوربا الغربية – مثالا لا حصرا- ليست في حالاتها الدنيا، والفقير فيها "متمكّن" من الحصول على لوازم الحياة الأساسية، فيما ينحصر الاكتراث بتوفير متطلباته التي تعزز العيش الكريم الموجود أصلا، وتساعد المعوز على ابتكار الوسائل وتمكينه من انتهاز فرص العمل، لكي يتخلص نهائيا من اعتماده على رواتب الضمان الاجتماعي التي توفرها الدولة له، فضلا عن ان المحتاج في الدول الغربية، يمتلك السكن والضمان الصحي، والراتب، ومع كل ذلك ينال من الاهتمام والرعاية، الشيء الكثير، فيما "فقير" الدول النامية ومنها العراق، يجسّد الحرمان بمعناه الحقيقي، ويعني الانسان المعدم الذي تجسّده صور في الشحاذة والسؤال في الطرقات، والنوم على الأرصفة بلا سكن، فيما في الدول الغربية المتقدمة، يدخل في قواميس الفقر حتى أولئك الذين لديهم رواتب شهرية، ولا يعانون من الإملاق، ولديهم السكن اللائق، لكنهم يشتكون من ديون لا يقدرون على سدادها، وقس على ذلك.
 
أحد أسباب الفقر في العالم هو تمركّز الثروات بين فئة قليلة من الأشخاص، ووفق تقرير لمنظمة أوكسفام الدولية فإن نحو ثماني دولارات من كل عشرة دولارات جنيت العام 2017 ذهبت إلى 1 في المائة من البشر، وهم الأغنى في العالم.
هذه الأمر يجب ان تنتبه له الحالة العراقية، وان تعمل الجهات المختصة على التقليل من الفروقات في الدخل، طالما
ان العراق يمتلك اقتصادا ناميا ويسعى الى تجربة تنتفع من أخطاء التجارب التي سبقته لاسيما تلك التي شيدت دول الرفاه في العالم لاسيما دول أوربا الغربية ذات الاقتصاد الرأسمالي الناجح الذي وظّف اقتصاد السوق بطريقة اشتراكية، وناجز الفقر الفاحش، والثراء الفاحش على حد سواء بواسطة تشريعات تضمن توزيع الثروات بصورة عادلة، وهو قاعدة غابت عن التخطيط الاقتصادي والاجتماعي في العراق، منذ عقود طويلة، حيث التفاوت الكبير في معدلات الدخل، بين من يتقاضى دخلا يصل الى نحو الأربعة الاف دولار شهريا، على أقل التقديرات، ولا يدفع ضريبة عليها، ومواطن لا يزيد دخله على المائتي دولار.
 
أرقام مكتب التخطيط الاجتماعي والثقافي (SCP) في هولندا، تفيد بان الفقير في البلاد، هو الفرد بمعدل دخل بنحو 1135 يورو، و للزوجين دون أطفال هو 1555 يورو وللأزواج الذين لديهم طفل واحد 1850 يورو، ولك ان تتأمل معنى "الفقر" الذي يبدو "رمزيا"، في هذه البلدان.
 
كتاب "السياسيون والصراع ضد الفقر"، لمؤلفيه "جيمس مانور" و"نجوجونا نجيتي" و"ماكوس أندري ميلو"، يفصح عن حقائق مرعبة عن أرقام عن الفقر في العالم، اذ لم يزل 783 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر الدولي المحدد بـ1.9 دولارا يوميا، فيما عُشر سكان العالم وأسرهم كانوا يعتاشون على أقل من 1.9 دولار يوميا في العام 2016.
 
العراق الذي يواجه احتجاجات الفئة المعدمة، والشباب العاطل، يجب ان يحزم أمره في منهج الشفافية، وتحسين إدارة الموارد وتنويعها، والابتعاد عن البيروقراطية في التعامل مع الفقراء وتعقب مصادر الفساد، الذي يعد الآفة الكبرى المضيعة للأموال في الدول التي تفتقر الى نظام محكم. 
 


19
العاطلون في دول الرفاه

عدنان أبوزيد

لا تقلق دول أوربية على شيء، مثل قلقها على ارتفاع معدلات البطالة، حتى إذا تفاقمت أُعلِنت حالة من طوارئ، تُستنفَر فيها المؤسسات وخبراء التخطيط ومكاتب العمل والحكومة، من اجل خفض المعدل، وبأسرع ما يمكن، لإدراكها انّ لا أمر أخطر من ذلك، فهو حين يستفحل بين الافراد، يهدد استقرار المُجتمع، على الرغم من انّ العاطل عن العمل في دول الرفاه مثل السويد وألمانيا وهولندا والدانمارك، يحصل على معدل دخل كاف، فضلا عن دعم السكن، والتكاليف شبه المجانية للضمان الصحي والاجتماعي.
 
لا يقتصر عمل الحكومة وأذرعها، ومنظمات العمل المستقلة على إيجاد فرصة عمل جديدة للعاطل، بل تسعى الى إعادة تأهيله من جديد، عبر الدورات الفنية والدراسية من جديد، واكمال تحصيله الدراسي، إذا كان معوزا الى ذلك.

ومنذ اليوم الأول لانفصال الفرد عن العمل، تتدفّق عليه الرسائل من البلدية، لبحث فرصة إعادة تأهيله للشغل، إذا كان وضعه الصحي، يؤهله الى ذلك.

تُنفق الحكومة أموالا ضخمة من أجل ذلك، فيخضع العاطل الى منهج تدريب واختبار مهارات، وفحوصات نفسية، ويُبحث في أسباب طرده من العمل، أو تركه له، من أجل إعادة زرعه في بيئة توظيف تلائم وضعه النفسي والصحي، وحتى ثقافته الاجتماعية، وفي بعض الأحيان حتى معتقداته الدينية.

لا ينحصر هذا "الدلال" للعاطل عن العمل، على ذلك، فهو طوال فترة مكوثه في البيت يحصل على الراتب الجيد، فضلا عن كل المميزات الأخرى التي يحصل عليها المستمرون في وظائفهم.

وقد وصل الحد في هذا الترف، انّ مجلة ألمانية كشفت في آذار 2018 عن أن العاطلين عن العمل في ألمانيا يحصلون على دخل أكبر من العاملين أنفسهم!. ووفق المجلة فقد تبين، انّ عائلة العاطل عن العمل تدّخر، في بعض الأحيان، فائضا من المال في آخر الشهر، يفوق ما يحصل عليه العامل المسؤول عن نفس عدد أفراد الأسرة، وبمعدل دخل شهري لا يقل عن 2540 يورو، قبل اقتطاع الضرائب، لتغطية احتياجات عائلة بهذا العدد.

لا غلواء في ذلك، فهذا الامر يحدث في هولندا وفنلندا والسويد، وبقية دول الرفاه، مع عدم نسيان، ان النساء في هذه المجتمعات يقفن على رأس قوة العمالة، حيث يمثلن قوة اقتصادية هائلة الى جانب الرجال.

فضلا عن كل ذلك، فانّ الأطفال يحصلون على رواتب منذ ولادتهم، تصل الى نحو الـ300  يورو للطفل كل شهر،
ولك ان تتأمل عائلة عراقية وفدت الى هذه الدول ولديها خمسة أطفال، فكم يكون معدل دخلها؟.
 
دعونا من الامتيازات، فالحديث يدور عن البطالة، ذلك انّ الشاب الذي يكمل دراسته ولا يجد عملا - وهو أمر نادر الحدوث-، يحصل على مدخول بمقدار المخصّص للعاطلين عن العمل أيضا، فلا يعاني من مشاكل حياتية على الإطلاق.
 
في النتيجة، فانّ القول بانّ هذه الدول توفّر لكل فرد في المجتمع، العيش الكريم، ليس بجديد، ليطلّ السؤال الذي لابد منه: لماذا لا نجد هذا النظام الناجح، على أرض الواقع في بلد يقول عن نفسه، انه غني، مثل العراق؟.

وعلى رغم الوصف الواقعي، بان العاطلين عن العمل في دول الرفاه، "مدللون"، فإنك تجد تظاهرات لهم بين الحين والآخر، ليس لأجل أمر مُلح، بل لزيادة الدخل، او المطالبة بخدمات جديدة.

لا تكفي العواطف والنعوت، والخوالج الفياضة لمعالجة المشكلة، قدر الحاجة الى التخطيط والإدارة الناجحة التي
تبني المشاريع الصناعية والتجارية والزراعية، وتوسّع القطاع الخاص، وتضع القوانين الكفيلة بتعزيز الضمان الاجتماعي وجلب الاستثمار وكل ذلك لن يحدث من دون نمو اقتصادي.

 
 

20
ديمقراطيات متعثّرة

عدنان ابو زيد

لا يكفي تبني المشروع الديمقراطي في طروحاته النظرية، إذا لم يجد مسلكا له على أرض الواقع، فتكون نتيجة الفشل
اما فوضى سياسية واجتماعية، وانقسام مجتمعي خطير يصل الى تقسيم البلدان، أو انقلابات عسكرية، تعيد ترتيب
خرائط النفوذ، وتتحكم بطريقة استبدادية في مستقبل البلدان.
حين تجنح الديمقراطية عن مسارها، أو يُساء استخدام أدواتها، فانّ الفرصة مواتية لوصوليين وأفراد غير مناسبين، او متزمتين، يستغلون الميكانيكيات الديمقراطية لتنفيذ مشروع القبض على مقاليد السلطة.

اختبارات كثيرة تبرهن على انّ الديمقراطية تصبح أداةَ خطرة بيد من يسيء استخدامها كما في ألمانيا في الاربعينيات من القرن الماضي، بتسلق هتلر السلطة، على سلّم ديمقراطية قائمة على دستور ليبرالي، واستغلاله الحريات المتاحة وانهيار الاقتصاد واتساع هوة الفقر والفساد، والشعور الشعبي بالخذلان من التعددية السياسية، لتدمير النظام السياسي، وقد سهّل ذلك على الحزب النازي اقناع الناس بان الديمقراطية داء، لينفرد في مقاليد الحكم.

أوصلت الديمقراطية الصربية الرئيس سلوبودان ميلوسيفتش الى الحكم، بعد تأجيج المشاعر القومية، مطلقا حربا من أجل التطهير العرقي، مكرّسا هيمنة الحزب الواحد.

في فنزويلا، كرّس الرئيس هوجو شافيز، سلطة فردية، وسعى الى تعديل الدستور لتأمين رئاسة مدى الحياة.
 
في زيمبابوي، سار الرئيس موجابي على سكة الديمقراطية للوصول الى الكرسي، حتى اذا بلغه صار صاحب الصوت الأوحد في بلاده، مهمّشا دور الاحزاب، ومعطلا آليات الديمقراطية.

الديمقراطية الفاشلة فرصة سانحة للعسكر في الوثوب الى السلطة، كما في تجربة تشيلي. ففي العام 1970 وصل الزعيم الاشتراكي سلفادور الليندي إلى رئاسة تشيلي في انتخابات حرة، لكن الطامحين الى الحكم من سياسيين وعسكر استولوا على السلطة في 1973، وحاصرت دبابات أوغستو بينوشيه القصر الرئاسي بالدبابات، مطالباً الليندي بالاستسلام.

في العراق، لم يكن بناء نظام ديمقراطي بعد الاجتياح الامريكي في 2003 سلسا، إذ كادت الحرب الاهلية الطائفية ثم الإرهاب، أن تفتك بالوليد الديمقراطي. وإذا كانت البلاد نجحت في وأد الخطر، فان الفساد وسوء الإدارة لا يزالان يهددان التجربة العراقية بالفشل، أو في عدم صعودها الى أمام، على أقل تقدير.
 
في لبنان، لم تنجح الديمقراطية اللبنانية في تقديم نموذج ناجح ومستقر، فانزلقت البلاد الى حرب أهلية، وانفتحت الأبواب أمام التدخلات الخارجية، وراهنت الاحزاب على الولاءات الاقليمية، ما جعلها بعيدة الى الان عن مربع الاستقرار السياسي.
 
الديمقراطية التركية، هي أقدم ديمقراطية في الشرق الأوسط، الا انها كانت حذرة من العسكر، ومن القوى الدينية المتشددة، على الدوام. وقد أدى ذلك الى انقلاب مفاجئ على رجب طيب إردوغان العام 2016، وقبل ذلك كان انقلاب 1980 الذي برّر تحركه في فوضى الاقتتال بين الجماعات القومية واليسارية.
وتبدو ديمقراطية تركيا، أكثر نضوجا من غيرها على رغم العثرات، ومن ملامح نجاحها ان إردوغان الذي مُنِع من مزاولة السياسة مدى الحياة بسبب إلقائه قصيدة يقول فيها بأن الإسلام هو مرجعيته، يشغل حاليًا منصب الرئاسة، بعد 11 سنة قضاها في منصب رئيس الوزراء.
 
الديمقراطية الباكستانية، متّهمة بتوفير ساحة لصراع مرير دائم بين الحكم المدني والعسكري، وبين القوى الليبرالية والدينية، لذلك ظلت الدولة على الدوام امام تهديد تحوّلها الى دولة دينية أو دكتاتورية عسكرية.
 
الدول الديمقراطية "الحقيقية" هي أقلية اليوم بين دول العالم، إذ أن نسبتها لا تتعدى ثلث دول العالم، لاسيما وان التجارب تفيد بان الديمقراطية ليست الخيار الأفضل دائما للشعوب التي تمزقها الحروب، وتوجهّها حساسيات مذهبية وقومية مفرطة، ويغيب الوعي عن أفرادها، ويتدنى مستوى التعليم بينهم، فضلا عن ارتفاع نسب الفقر، والمنظومة الاجتماعية القائمة على الاقطاعيات، والفوارق الطبقية، والقوى العشائرية، وغياب ثقافة التعددية وانحسار دور الطبقة الوسطى.

21
المنبر الحر / الحيرة الحضارية
« في: 18:12 25/09/2019  »
الحيرة الحضارية
عدنان ابوزيد

يُرصد خللٌ بين التصورات المثالية، وتطبيقاتها على أرض الواقع، ذلك انّ المقاييس التي بوجبها تُسن القوانين، وتُنظّم الحياة، التي تضع حدا للصراعات الايديولوجية والفكرية، باتت تنظيرية أكثر منها تطبيقية، وهو أمر انتبهت له أمم نجحت في تخطي اخطار الحروب الطائفية والقومية، والكراهيات المجتمعية.

المثال في هذا الصدد، أوربا. ففي المشاهد اليومية التي يعيشها العربي والمسلم، يرصد حقيقة انّ التباين الشاسع بين الثقافات وتعدد الانتماءات، لم يعد مقياسا يقف حجرة عثرة، في طريق ترسيخ آلية مشتركة للتفاهم، ومن ذلك ان الفرد الذي صقلته حضارة العصر، يشعر بالقوة في سلوك التسامح والصفح ومحاولة فهم الاخر، على الرغم من انه غير مؤدلج عقائديا، فيما أفراد شعوب أخرى، حضّها من التعليم أقل، وتتحمس لتعصبها العقائدي والفكري، تجدها تعيش في أوربا بنفس روح التشدد والغلو والانتقام والثأر، بل وفي فرض القيم والأخلاق الخاصة بفئة معينة حتى على المجتمعات الاوربية التي يعيشها فيها ضمن اقلية.

ثمة حاجة الى صياغة النظريات الجديدة في بلادنا، لصقل السلوك الجمعي، باتجاه ثقافة التساهل والمحبة، والتفاعل مع المختلف، حيث التجربة الناجحة في أوربا، تجعلنا ننسخ أمثلة، تساهم في بث الحماس بين أفراد مجتمعاتنا، ففي القارة البيضاء ومنذ القرن التاسع عشر، انحسرت بشكل واضح المفاهيم التي كانت تسيطر على الذهنية الغربية، في تحديد العلاقة بالآخر على أساس القومية والدين، وأصبح البديل هو الأداء، والانجاز.

انحسرت عن هذه الدول، على رغم شعورها، بتفوقها في مجالات العلم والثقافة والأدب على الدول الأخرى، العنصرية الأوروبية التي تعكس تفوق ثقافة ودين الرجل الأبيض، وانّ الذي يجب ان يقود العالم، الثقافة الاوروبية البيضاء المستمدة جذورها من حضارة الاغريق، وانّ الثقافة المسيحية يجب انْ تسود بحكم أجندتها الحياتية والفكرية وقدرتها على الاقناع.

عكس التسامح الأوربي، فانّ هناك حتى في داخل أوربا نفسها، من يصر على التمايز السلبي، متوهّما بانّ ذلك يمكنّه من التأثير والشعور بالبقاء، على الرغم من كونه أقلية مهاجرة، وهو سلوك ناجم عن التربية المغذية للتحجر والحذر من الآخر، والشعور بالنقص، او بالتفوق أمامه، ففي كلا الحالين، فان ذلك مدعاة الى عدم الاندماج، في المجتمعات الجديدة والعيش على الهامش فيها.

انّ أحد أسباب النجاح الأوربي، هو تجاوز الغلواء والذاتية، في التعامل بين افراد المجتمع، من مواطنين اصليين ومهاجرين، وهو عامل أهّل هذه الشعوب على الابتكار والخلق، وتحولها الى المعلم الأول للعالم، على رغم ندرة خطابها المؤدلج لكسب الاتباع، وانحسار أسلوب الوصاية على الدول الأقل شأنا، وكان ذلك سببا في تحولها الى بلدان تلونها الهجرات المتعددة والعادات والتقاليد المختلفة، القادمة من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب.

مع مرور الأيام، فان لا مفرّ من توقع اندماج واسع وجذري لثقافة أوربا التي كانت في يوم من أيام، تجد نفسها متميزة وهي الابنة المدللة للملك الفينيقي التي أغدق عليها الاله الاولومبي سيوس قوته وجماله وذكاءه، مع ثقافات المسلمين والهندوس والبوذيين والأديان الأخرى، في تجانس تاريخي بين تراث الشرق ودياناته وثقافاته ومنتجات الحضارات الهيلينية والمسيحية والعلمانية والإسلامية.

تأريخيا، فانّ ذلك حدث يوما على أيدي العرب المسلمين، في الاندلس، حين ذاب  العرب في الارض التي وفدوا اليها، وتعلموا ثقافتها، واكتسبوا رقة اهل الاندلس الأصليين، وتبادلوا معهم الثقافات، واصبحوا اكثر انفتاحا حتى من الأندلسيين أنفسهم، وتجاوزا في علومهم الميثولوجيا الدينية، الى العلم والفن والادب، واختلطت أفكار ابن رشد، فيلسوف قرطبة مع اطروحات توماس الاكويني، المعلم الأول للأوربيين.

يقود التسامح أوربا، الى إزالة السدود أمام الهجرات من الخارج، وبات توطين الاسلام في اوروبا الغربية، امرا واقعا يتجانس مع دين اوروبا التاريخي، المسيحية، ما يملي عليك التمعن كثيرا في قدرة الانفتاح لا الانغلاق، في بناء الحياة والكف عن الشعور بالنقص أمام الاخر، والتشكيك الدائم في أهدافه، واعتباره، عبر أفكار مسبقة متآمرا، يسعى الى تدمير ثقافتنا ومعتقداتنا.

22
شعوب وثِقت من نفسها بعد اليأس   

عدنان أبوزيد


تعصف الاحداث السياسية والأمنية، بالثقة التي يسعى العراقيون الى تعزيزها، سواء بأنفسهم، او بالقرار السياسي الذي يوجّه مقادير البلاد، بسبب خطاب اعلامي خارجي ومحلي، ورسائل نفسية، تتعمّد تعظيم الهواجس في الذات العراقية، لجعلها تنسحب على نفسها، وتنزوي عن الدور الوطني، وحتى الحياتي، ترقبا لإعلان مؤسف عن الاستسلام، بسبب الخيبة.

دروس التاريخ، تكشف عن انّ اغلب الشعوب صاحبة الإنجازات العظيمة، مرّت بمرحلة من انكماش الثقة في الذات والوطن، بسبب الحروب والاخطاء، والفساد، لكنها في النهاية، ظفرت، وتطوّرت، وباتت على مستوى واحد من القوة والتطور، مع الدول التي كانت في يوم ما، متفوقة عليها، بل ومستعمِرة لها.

استفاد العقل الأميركي من أزماته في الحروب الاهلية والاحتلال الأجنبي، وأعتق نفسه من الأفكار الملغومة في العنصرية والمناطقية، والانجرار الى العقد التاريخية باتجاه صناعة الديمقراطية بهياكل فولاذية، قادت الى استقرار كبير، أدى الى تطور في التربية والتعليم، باتجاه الانتاج والابداع والابتكار، وقادت الارادة القومية في التفوق، الى نقلة نوعية في الحياة، ولم يكن هذه التفوق، وليد قرار قسري، بل تدرج طبيعي بسبب صواب السياسات والخطط.

في روسيا، أدرك بوتين، انهيار الدولة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، فكانت المهمة الأولى له رئيسا لروسيا العام ٢٠٠٠، هي توحيد الشعب الروسي، قائلا ان "العمل الإبداعي لن يتم في ظل انقسامات داخلية وتشتت المجتمع"، ومعتبرا ان "مفتاح روسيا في الانتعاش والنمو يكمن في دولة قوية وذات سلطة".

اليابان، بعد الهزيمة النكراء خلال الحرب العالمية الثانية وتحولها الى أمة منكسرة وفقيرة، بتوقيع إمبراطورها لوثيقة الاستسلام وتعيين جنرال امريكي، حاكمًا فعليًا، أبرأت جروحها، لتصبح اليوم، الاقتصاد الثالث عالميًا بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين، بدخل قومي يبلغ نحو الخمسة تريليون دولار، والثالثة في تصنيع السيارات والأولى في صناعة الإلكترونيات، والدولة الأكثر إقراضًا للدول الأخرى.

ألمانيا بعد حرب الثلاثين عاماً الطائفية، بين البروتستانت والكاثوليك، والحرب العالمية الثانية منتصف القرن الفائت،
نهضت باقتدار بسرعة قياسية رغم عدم امتلاكها نفطا أو غازا أو أية موارد طبيعية أخرى، لكن استثمارها في التربية والتعليم، لخلق جيل يؤمن بالعمل والعلم، حسم الموقف لصالح إعادة الإعمار فائق السرعة، وتمكين الشعب من امتلاك أدوات النيوليبرالية القائم على اقتصاد السوق الاجتماعي لإعادة تشكيل الأموال والسير وراء سلطة مركزية، وحّدت الشعب الألماني.

الصين التي توجد اليوم، في كل مكان، وتصنع قطع غيار طائرات بوينغ 757 ، وتكتشف الفضاء بالصواريخ، وتجذب رؤوس الأموال، كانت الى وقت قريب، دولة زراعية متخلفة، تعاني من الكثافة السكانية الهائلة، بأكثر من مليار نسمة، معظمهم من الفلاحين، يسود بينهم الجهل والتخلف، ارتقت الى مصاف الدول المتطورة، بواسطة تحريض الفرد على النشاط والابتكار، بعد تأهيله بالتعليمٌ المجاني، ليصاحب ذلك السيادة الوطنية على الموارد، وتبني سياسة السلام، لطمأنة الدول المجاورة من النهضة العملاقة، فضلا عن إصلاح متدرج للاقتصاد و تطوير البنية التحتية والتصدي الحاسمٌ للفساد.

قائمة طويلة للشعوب التي بعثت تطورها وتقدمها من رماد الحروب والتخلف وروح الانهزامية، تسامت فيها الطاقة السلبية الى إيجابية، واضمحل انكماش الثقة، وسخّرت الحمولة المعرفية والارث التاريخي، الى دروس في التربية والتعليم عن كيفية إدارة الازمات، ليس على مستوى النخب بل على مستوى الفرد، الذي هو الأساس في تجاوز حقبة من الشعور بالخذلان والانهزامية، يُراد لها ان تطول.


23
المنبر الحر / مفخّخة في أمستردام
« في: 18:09 22/08/2019  »

مفخّخة في أمستردام

عدنان أبوزيد
 
لا يزال النصْب "العراقي" في العاصمة الهولندية، أمستردام، ويجسّد "أشلاء" سيارتين مفخختين جلبتهما منظمة ( أي كي في ) الهولندية للسلام، من بغداد، يجذب الزوار، مذكّرا بإرهاب عمّ أنحاء العالم، واستقرّ في العراق، بشكل خاص.

وإذا كان مستوعَبا، أنّ هذه النصب المتفرّد، المثير للمتابع الغربي، هو ادانة لعمليات القتل بواسطة تفخيخ الاشخاص والسيارات في الساحات العامة، لقتل أكبر عدد ممكن من الناس، الا انه يكشف عن غياب "الاستثمار" في العراق لمرحلة العنف التي مرّ بها، وانحسار كتابة التاريخ بالنصب والتماثيل، وصناعة الرموز، التي تساهم في وحدة الصف ونبذ العنف والفتن القومية والطائفية، عن طريق استذكار مآسيها وضحاياها.

وإذا كانت مفردة "المفخّخة" مخيفة بعض الشيء، للجمهور الغربي، غير إنّ عرْض هذه الهيكل الحديدي المتهالك، في ساحة (لايدسه بلاين) في قلب امستردام اضفى على المكان "روعة" خاصة، لأنه أصاب الغاية، عبر التقاط صورة "دخيلة" على البيئة الهولندية، "تذكّر الجميع بانّ السلام واجب عالمي، وانّ على الشعوب التعاون من اجل ذلك"، وفق مستطرق هولندي وصلت كلماته الى مسامعي، حيث أقف الى جواره.

استنهاض ذكرى الويلات، بالأشكال الجمالية والنصب الفنية، بات ضرورة تحتاجها مدن العراق، كي لا تنسى الأجيال، معاناة الآباء والاجداد، ولعل البلدان الاوربية سبّاقة في هذه المجال، فلم تترك موقفا تاريخيا، سواء في السلام او الحرب، إلاّ، وجسّدته بأمانة، اعترافا منها بأهمية تحويل التاريخ الى إشارات مادية حاضرة.
 
لم يعد التاريخ سجلا ورقيا في رفوف المكتبات، أو مخزونا رقميا في أجهزة الحواسيب، بل حالة يومية يعيشها الانسان
وهو يتجول في ميادين المدن الكبرى التي تضم صروحا ونصبا وحدائقا، تؤرّخ لحدث أو تذكّر بشخصية، فيما لم ينسحب
التاريخ العراقي الى الآن على الحالة اليومية، وساحات المدن، ليستقر الى حدود كونه كتابا مدرسيا، او بحثا في الجامعات، لا يتعدى في أهميته، حدود الدرس والبحث.

أنشأت اليابان متحفا للسلام في هيروشيما في حديقة قرب مكان سقوط القنبلة الذرية، يعرض تفاصيل الضربة التاريخية، ودمار المدينة، بأحدث الاجهزة السمعية والبصرية، وفق بناء معماري، مهيب.

وحوّلت حكومة المانيا الغربية ملجئا للحماية من الصواريخ النووية، الى متحف يصوّر فترة الحرب الباردة.
 
واقيم نصب تذكاري في واشنطن لضحايا الحقبة الشيوعية، لاستيعاب دروس الحرب الباردة، حيث "الشر والكراهية أديا إلى مقتل ملايين الأشخاص في القرن العشرين"، وفق تعبير الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، الابن.

بل إنّ الولايات المتحدة خلدّت ذكرى 4 آلاف كلب نفقوا في الحروب التي خاضتها خارج حدودها.

وفي لندن، يرتفع في الفضاء، نصب تذكاري لتكريم الحيوانات والحشرات التي تحمّلت المصاعب مع القوات المسلحة البريطانية.
 
لم تعد مسؤولية تسجيل الاحداث تقتصر على المؤرخ التقليدي، وحده، بل واجبا على الفنانين والمهندسين والمثقفين،
وحكومات المدن، والجامعات، من أجل كتابة التاريخ، لاسيما القريب منه، حيث الاضطراب الأمني والسياسي، يحول دون أرشفة الكثير من الاحداث المهمة، التي تشكّل حلقة مهمة في التاريخ العراقي.
 
لا تزال الفرصة سانحة، أمام روح الإبداع، فنيا، وادبيا، وهندسيا، في استحضار المنهج العلمي في تخطيط المدن والساحات، واغناءها برموز الاحداث القريبة، لاسيما تلك التي سببّت الآلام والاوجاع، للعراقيين، لكي لا يقتصر استذكارهم لمآسيهم وحروبهم، بزيارة قبور الضحايا والشهداء فقط، بل في رموز فنية وهندسية دقيقة الصناعة، تعيش معهم في كل الأماكن واللحظات.


24
الإعلام الجديد.. اجتماعي لا سياسي

عدنان ابوزيد

وضع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان إذاعة "صوت أميركا" في منزلة برامج غزو الفضاء من ناحية الأهمية لمصالح البلاد، وايصال الخطاب الرسمي، منتقدا الإهمال لهذه المؤسسة الإعلامية، وهو ما دفعه الى التعويض عن ذلك بتأسيس محطة "تقوية" لبثّها، العام 1984.
وفي العام 2018، يتكرّر المشهد، لكن في روسيا، حيث رئيسها بوتين، بات يهتم شخصيا بالإعلام وخطابه، مؤكدا على أهميته للأمن والصحة، فيما منافسوه يتهمونه بالسيطرة على شبكة "إن تي في" والقنوات الروسية الرئيسية.

ووجد ممثلو "الأوليجارشية" او "الروس الجدد" فرصتهم في الاعلام للسيطرة على السياسة والاقتصاد، ونجحوا عبره من
الحصول على الجاه السياسي، والاجتماعي، وجني الثروات الطائلة.

وفي روسيا الحقبة السوفيتية، كان الإعلام كحاله في كل الأنظمة الشمولية، تابعا الى الحزب الواحد، الذي سعى عبر خطاب مؤدلج الى نشره مبادئه في العالم، ونجح بشكل منقطع النظير في بسط نفوذ الأيديولوجية الشيوعية.

وانبرت الصين، بعد "حقبة إعلامية" مظلمة، الى تطوير التقنيات التي تجعل منها رائدة في الحضور الإعلامي العالمي، ونجحت بشكل واضح في تحدي وسائل الاعلام الغربية، بل والتفوق عليها في الكثير من الحالات.

وفي تركيا، أصبحت تهمة استخدام التمويل العام في قطاع الإعلام تتقاذفها قوى الحكومة والمعارضة، بعد ان صار معروفا بان من يمتلك ناصيته، يفوز.
 
ولكي لا نسهب كثيرا في الوقائع، نشيرا أخيرا، الى فضيحة "ووترغيت" التي كشفها الاعلام، وأدت إلى استقالة رئيس الولايات المتحدة الأميركية، ريتشارد نيكسون، في أغسطس/ آب 1974.

لقد كانت الصحافة على الدوام، المرصد الذي يحسم مستقبل السياسيين والمشاهير، ما يجعلها المحور المحرّك للأحداث، والضامن لنتائجها، في اتجاه معين، حتى في الأحداث الصغيرة ما يفسّر جرأة مديرة أمن رئاسة الوزراء في العاصمة الفرنسية على الاستقالة، بعد فضيحة فساد كشفتها، احدى المقالات.
 
وفي عصر التواصل، أدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خطورة وسائل الاعلام على مستقبله السياسي ليصفها
بانها "عدو الشعب" وهو تعبير كان الزعيم السوفيتي الراحل، جوزيف ستالين، قد استعمله، ونهى عنه نيكيتا خروتشوف.

و من الخطاب الشمولي الى ديمقراطية إعلامية، فان مواقف وحوادث كثيرة ترسم العلاقة المضطربة بين السياسي والإعلامي. وثمة امثلة كثيرة لا يسعف المجال لذكرها.

كل الأمثلة الواردة، تكشف عن ارتباط الاعلام التقليدي بالسياسة أولا، وفي بعض الأحيان بالسياسيين حصرا،
لكن الإعلام الجديد اليوم، حيث تتدفق المعلومات عبر وسائل اتصال حديثة، متاح، لأي فرد في المجتمع، وبات للإعلام وظيفة اجتماعية اكثر منها سياسية، كما تحول الفرد الى صحافي واعلامي، بسبب امتلاكه تقنيات النشر المباشر، نصا وصوتا وصورة.

لم يعد الاعلام يختص بطبقة السلطة وتوابعها، لأنه صار نافذة لكل الناس، ومن الصعب اليوم، حصره في رؤية واضحة ونسق واحد، وهدف مشترك، لعدم قدرة أية جهة على احتكاره، والسيطرة عليه، حتى لو ارادت ذلك.

لكن وهج الإعلام "الاجتماعي" الجديد، سوف يتألق، اذا ما ضمنت الشعوب، وعي الفرد في استخدامه، لتجاوز نقاط الضعف في موضوعية الطرح، وإيجابية الهدف، والخبرة المهنية، لكي يكسب الخطاب قناعة المتلقي، أولا قبل التأثير عليه وتوجيهه.
انّ الديناميكية المحركة الواجب توفرها في الإعلام العراقي، والعربي، هي في نقل المعلومة بأمانة ودقة، وعدم التفريط في التسييس، وتعزيز الخبرة والمهنية والالتزام الاخلاقي في مداولة المعلومة وتحليلها.
في المشهد، تزدحم اعداد الذين يعملون في قطاع الاعلام، وتتناسل الفضائيات بشكل خاص، لكنها لم تحقّق من النجاح المهني، القدر الذي يُعوّل عليه، بعد انْ اجترّت الكثير من المواضيع وحتى التقنيات، ولابد لهذا القطاع، ان يستفيد من تجارب الدول المتقدمة للخروج من حلقة الإعلام النمطي.
 


25
جيش الخدمات المهزوم في العراق

عدنان أبوزيد 

يفتقر العراق الى صناعة الخدمات التي باتت ركنا أساسيا في اقتصاديات الدول الناجحة لتشغيل الملايين من الأفراد، وتحويل مناصب الخدمات الى مصدر مهم للمال.

لايزال الكثير، مخطئا، في الاعتقاد بان التقدم الاقتصادي هو فقط في المنتج الملموس الذي تضخه المعامل والورش الى الأسواق، فيما دولة مثل هولندا، تشغّل الآلاف من العمال في مزارع الورود، وتضخ الى العالم ما مقداره 8 مليار دولار، سنويا.

وفي غابات ألمانيا الشاسعة، يعمل الملايين من "الحطاّبين"، إذا صحّ استخدام هذه المفردة المنتمية الى عصر ما قبل الصناعة، يقطعون الاخشاب التي توفّر المادة الأولية لمصانع الأثاث وشركات البناء، فيما يزرعون الأشجار، أيضا، لديمومة الغابات، وعدم التفريط بالغطاء النباتي.

الذي زار أوربا أو عاش فيها، يرى جيوشا من العاملين في الحدائق العامة، والساحات الخضراء، يعملون طوال النهار في الزراعة والتنظيم، وادامة المحيط العام.
وفي حديقة مجاورة للحي الذي اسكنه في هولندا، ثمة حديقة بمساحة 2 كيلومترا مربعا، يعمل فيها يوميا نحو السبعة اشخاص يوميا، طوال العام، ومعهم معدّاتهم وأدواتهم الحديثة.

وحدثّني مدير شركة توظيف في الحدائق، ان شركته تحقق أرباحا جيدة في العام، عدا تأمينها رواتب العاملين، وتسديد الضراب للحكومة، مشيرا الى ان تشذيب الأشجار، وبيع المواد الأولية لصناعة الأسمدة وجذوع الاشجار، وتجارة الورود، وتوفير الخبرة لأصحاب الحدائق في البيوت والشركات، وساحات المدن، يدرّ على الشركة تلك الأموال الهائلة.

وفي بيت للعجزة، يتألف من خمسة طوابق ويسكنه المئات من كبار السن، يعمل نحو الثلاثمائة شخص، في ايندهوفن الهولندية، وهي مدينة بحجم مدينة صغيرة في العراق، ولك ان تحسب عدد الدور الموجودة في دول مثل المانيا فرنسا و بلجيكا والولايات المتحدة واليابان.

يعمل في هذه الدور، وفي مراكز اللجوء، والحماية من العنف، والرعاية الصحية، ورعاية الاسرة، الآلاف من الباحثين الاجتماعيين، الذين لا عمل لأقرانهم في العراق بعد ان أصبحت التشريعات الاجتماعية واحدة من الأنظمة الراسخة في أوربا.
 
ولا أحدثك عن المَزارع التي تجذب فرص العمل للمهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين الذين يعانون من البطالة في العراق.

وينجذب الجلّ الأكبر من شباب المدارس الثانوية الى التلمذة الصناعية، حيث لا عيب في الانضمام للمدارس المهنية والفنية، فيما يتسابق عراقيون على الشهادات العليا فقط من دون مهارات، ويسقطون في اول امتحان لهم في فرصة طلب العمل لاسيما اذا ما سافر خارج البلاد ووجد نفسه في مستوى علمي ومهني لا يتناسب وحجم اللقب الذي تحمله أوراقه.

وإذا تحدثنا عن القطاع المصرفي المتهالك في العراق، سوف نرى كيف ان المال القومي يتسرب الى خارج البلاد، بسبب تخلف المعاملات البنكية التي توفر ملايين فرص العمل لخريجي الاقتصاد، والمبرمجين، والصيارفة.

كل تلك الوظائف تغيب في العراق، حيث الاقتصاد لا يمتد بصورة افقية، ويفشل في ابتكار الفرص ليظل المجال محصورا في التوظيف الحكومي بدل الخدمات التي هي الأساس في تطور البلدان.

وفي ابتكار للوظائف، أسس رسامون هولنديون ورشة عمل تنظّم المعارض في مدن متعددة، يعمل فيها العشرات من الفنانين الذي ينتجون اللوحات، والنصب، وتلجأ اليهم البلديات في الاستشارات الجمالية والتصميم، لتحقق هذه الورشة أرباحا عظيمة في كل عام.

لم تعد الوظيفة في الدول المتقدمة محصورة بالحكومة، ومكاتب الوزارات والدوائر الرسمية، بل ان هذا النوع من الوظائف ينحسر تدريجا بسبب التقنيات الحديثة في الإنجاز ومعالجة المعاملات، الامر الذي يدفع الى ابتكار طرق مبتكرة في خلق فرص العمل  في مجالات الخدمات المدنية.
ومنذ تطورت صناعة الخدمات في أوروبا منذ القرن العشرين الميلادي، فان العراق والدول العربية، بعيدة عن التحولات الاقتصادية الكبرى التي ضمنت مصادر العيش الكريم للمواطن، ورسّخت الاستقرار وعزّزت ثقة الفرد بدولته ومجتمعه.

26
بغداد والمدن.. الانحدار بعيدا عن الحواضر العصرية

عدنان أبوزيد


تغيب عن مدن العراق بشكل مفرط، الميادين الواسعة التي أضحت معلما ثقافيا وسياحيا، وحضاريا، لا غنى للحواضر العصرية عنه.

مدن يقترن اسمها بالباحات المترامية الأطراف، يلتقي فيها أبناء البلد والسواح، في ملتقى للتراث الشفوي والتبادل الثقافي، والتعارف وتلاقح الأفكار، والاستماع الى الخطب، وأنواع الفنون، في فناء منفرج يستقطب القاصي والداني.
انها متاحف مفتوحة، بالمجان، تعج بأنواع البشر، واختلاف الأذواق، يتدفق اليها الناس، في موجات داخلة وخارجة، تضفي على المدينة رونقا أخّاذا، فضلا عن كونها مشروعا اقتصاديا، تدر الأرباح الطائلة، حيث المحلات التجارية والمطاعم والنصب، والنافورات، وأصحاب الهوايات، والمواهب.

وإذا قصدت اسبانيا ولم تزر ساحة "بلازا مايور"، فكأنك لم تر هذه الدولة المترامية الأطراف. وعلى رغم انها تقع في قلب مدريد، الا انها تستضيف مصارعة الثيران، ومباريات كرة القدم، فيما تمثال فيليب الثالث يحدّق في الزائرين.

وينتصب أقدم نصب تذكاري وطني في بوينس آيرس في ساحة "بلازا دي مايو" التي لا يحدها بصر، لوسعها، فيما تغيب عن مدن العراق، ساحة مثل "الطرف الأغر" في لندن التي تخلد المعركة الشهيرة التي انتصر فيها اللورد نيلسون على نابليون العام 1805، فيما تمثالها الطويل القامة للغاية، يحضر بقوة بين الزائرين.
 
ويقف الزائر منذهلا امام سعة "ساحة تيانانمن" في بكين عاصمة الصين، التي تعد أكبر ساحة مدينة في العالم، وتدر على المدينة أرباحا طائلة، فضلا عن كونها جسرا ثقافيا يربط بين أبناء الصين والسواح من الدول، وقد تحولت مع مرور الزمن الى رمز وطني.

وفي حين تندثر في بغداد، أحياءها التاريخية، ورموزها التراثية، والتي تحوّلت اما الى حواضن مهمّشة، مهملة، او في طريقها للاندثار، فان المدينة البولندية كراكوف، تتوفّر على أكبر ساحة بلدة في القرون الوسطى في أوروبا والتي يعود تاريخها إلى القرن الثالث، ولازالت تتجدد وتتطور مع الزمن، من دون الحاق ضرر، أو تغيير في المنازل التاريخية، والقصور والكنائس المحيطة بالساحة.

تغيب الساحات المفتوحة في العراقِ، حتى عن الاماكن الدينية المعروفة التي تجذب آلاف الزائرين سنويا، كما تحاصر البنايات والمشاريع التجارية والمساكن، المراقد المقدسة والمساجد التاريخية، في انسداد للأفق، يشوّه المشهد العام. وعلى هذا النحو لا يمكن مقارنتها عمرانيا، بساحة القديس بطرس أمام كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان، والتي تتسع لنحو 200.000 شخص، فيما الزائرون للمراقد المقدسة في العراق، يبلغون اضعافا مضاعفة مقارنة بهذا الرقم.

كان يمكن لساحة التحرير في بغداد، أنْ تتحول الى "ساحة حمراء" عراقية، كالتي في العاصمة الروسية، موسكو، تتعدّد فيها ألوان الفرجة التي يقوم بها فنانون شعبيون وموهوبون، وباعة متجولون، لكنها ومنذ تأسيسها تنتقل في مراحلها التاريخية من الفناء الواسع الى الفضاء الضيق، لينتهي بها الامر الى رقعة صغيرة الحجم، لم تعد تشكل أهمية حضارية او فنية، او سياحية على الرغم من كونها، أقدم الساحات في الشرق الأوسط.
 
والميدان الكبير أو "غراند بلاس" وسط مدينة بروكسل في بلجيكا، لا يختلف في المساحة والارث التاريخي عن ساحة الميدان في بغداد، لكن الفرق ان بلدية بروكسل جعلت منه ساحة كبرى بالابتكار المعماري، والتطوير العمراني،
والمحافظة على الأصالة، وإبقاء رموزه مثل كنيسة القديس ميخائيل، والكثير من المباني الحكومية، فيما ساحة الميدان في بغداد، تراجعت كثيرا وفقدتها أهميتها التاريخية بل وحتى حاضرها القريب.

ولكي لا تتحول المعالجة الى مقاصد سياحية واعلانا مجانيا لمدن العالم، فان المقال تناسى عمدا، الكثير من ساحات المدن الكبرى في العالم، فيما الحرص على أشدّه في الإشارة الى ان العراق، في امس الحاجة الى استراتيجية تتبنى رسم فضاء جديد للمدن المغلقة، على نفسها، فلم تعد نظريات العمران في العالم تعبأ للأبنية العالية، وناطحات السحاب، ومراكز التسوّق والمولات، قدر تشييد الساحات المفتوحة على شكل متاحف وملتقيات ثقافية وتعليمية. 
 
 


27
هل الجامعات للشهادات فقط؟
عدنان أبوزيد 

نبّهني طالب عراقي في جامعة آيندهوفن الهندسية في هولندا، الى أنّ الدروس التي يلقيها أستاذه في مادة الديناميكا، على الطلاب، تشغل نحو العشرين بالمائة من وقته، فيما الجزء الأكبر منه، يقضيه في البحوث والاستشارات العلمية التي يقدّمها للمعامل والمصانع، والورش، فضلاً عن إيجاد الحلول للمشاكل، وتطوير طرق الأداء، والتصنيع.

مثل هذا الأستاذ، حيث أغلب زملاءه على نفس النمط، لم يعد يجشّم الجامعة كلفةً، بل على العكس من ذلك، إذ انّ ثمار جهود هؤلاء الأساتذة الجامعيين، ينتج عنها أموالا طائلة ترفد ميزانية الجامعة، ما يفسّر كيف انّ صروحا علمية، باتت مصدرا للمال والاستثمار والمشاركة في تنمية المدن، والاقتصاد، على عكس ما يحدث في جامعات العالم الثالث، ومنها العراق، حيث يستنزف تفريخ الجامعات، كماً، لا نوعاً، الكثير من ميزانية أحادية تعتمد على النفط، فقط.

لا يقتصر الأمر على الجامعات الهندسية، ذلك أنّ الاستشارات التي تقدّمها كليات ومعاهد الفن، الى مشاريع تجميل المدن، وبيع النصب واللوحات الفنية، وإقامة الفعاليات الفنية، والمهرجانات، تدرّ على هذه الجامعات، رؤوس أموال طائلة، أيضا، محوّلة هذه المراكز المعرفية الى مصادر تمويل تسهم في إنعاش الاقتصاد، وتؤسّس لنمط إنتاج اقتصاد المعرفة الذي طغى في البلدان المتقدمة، على نمط الإنتاج التقليدي.

في العراق، يحدث العكس تماما، فلا زالت الجامعات التي فاقت في أعدادها، مثيلاتها في الدول المقارِبة للعراق في الظروف الاجتماعية، وتعداد النفوس، تشكّل عبئاً ثقيلاً على الميزانية، فضلاً عن تخريجها الآلاف من الشباب سنويا، والذين يتراكمون على مصطبات العاطلين، بغض النظر عن احتياجات السوق.

تبرز الحاجة، اليوم، أكثر من أي وقت مضى، الى دعم الجودة، لا الكمّ، في الجامعات، وتحويلها الى مراكز معرفة حقيقية، وصاحبة أدوار في تغيير المجتمع، لا مصادر لشهادات أكاديمية لا فرصة لها في سوق العمل العراقي والمحلي لاسيما حين يكون الخريج، في مستوى متواضع من القدرات المعرفية، والمهارات، وقدرات الابتكار.
 
لا يقلّ طلاب العراق، قدرة على التفكير، والإبداع عن شباب العالم المتقدم، لكن غياب تقنيات التعليم المتطورة، وتخلّف المناهج، وعدم مواكبة تقنيات التواصل المعرفي مع العالم، يضعهم في مستوى أداء ادنى، ومن ذلك انّ اغلب خريجي البلاد، لا يجيدون اللغات الأجنبية المهمة في التواصل المعرفي، مثل الإنكليزية، فضلا عن ضعفهم حتى في اللغة الام، العربية.

لا يلمس المراقب، دورا حيويا للجامعات والمعاهد العلمية في العراق، في توظيف المعرفة في التطوير والتنمية، وقد روى لي أستاذ جامعي عراقي انّ كل البحوث التي يقوم بها الطلبة الخريجون، فضلا عن رسائل الماجستير، والدكتوراه
والدراسات العليا، لا تتعدى كونها نصوصا إنشائية، ليس لها أي دور في النهوض بالبلاد، وهي تركن على الرفوف، ومصيرها النهائي، النفايات، والأدراج.
بسبب ذلك كله، فانه ومنذ العام 1492، حيث طلبت ملكة قشتالة من كريستوف كولومبس، الخروج في رحلة استكشافية من أجل الذهب، احتكر العالم المتقدم، العلوم والمعارف، ونجح بشكل مذهل في تحويل النظريات والعلوم الى تطبيقات، وأصبحت الدول الخمس التي لا تشكّل سوى 12 في المائة من العالم، هي مصدر المعرفة المهيمن بكل مجالاتها، الهندسية والطبية، والعلوم الإنسانية، والادب، والثقافات المختلفة، بعد أنْ ساد نمط ديكارت في البحث والتقصي، منذ أواسط القرن السابع عشر، بعباراته المشهورة "أنا أفكر إذن أنا موجود"، وعزّز ذلك الفيلسوف ديكارت في ترسيخ آلية التفكير.

ما يزيد من فداحة الخلل، استثمار القطاع الخاص في التعليم، الذي يحوّل الجامعات الأهلية، الى مشروع تجاري، حتى بات الكثير منها، غريبا حتى في "الشكل"، عن الجامعة بملامحها المعرفية المرموقة، لتتحوّل الى مصنع لا يتوقف من تفريخ الشهادات، بدلا من انتاج المعرفة، واستثمارها في الإنماء.
 



28
المنبر الحر / عنف خلف الستار
« في: 17:33 28/06/2019  »
عنف خلف الستار
عدنان أبوزيد.. هناك عنف لا نتحدث عنه، نمرّ عليه في مرافعاتنا، مرور الكرام، وهو العنف السلوكي في البيت والمعمل والمؤسسة والشارع، لا يقل خطورةً عن بطش الإرهاب، الذي ينتهي بمجرد القضاء على أدواته، لكن العنف الاجتماعي متأصّل في الثقافات والعادات والتقاليد، ويوغِل في الانتشار، في بيئة تنتعش فيها الأسباب.

يصفع المعلم، التلميذ في المدرسة، وتسهم فيديوهات الميديا في نشرها على نطاق واسع، فيما تطورت طرائق التربية، في دول، وانتعش فيها الوعي الحضاري، فيلجأ التلميذ الى المعلم، قبل الوالدين، في أسراره ومشاكله.

في مشاهد يومية، يُعنَّفُ الطبيب في المستشفيات، ويتعرض الى الانتقامات العشائرية، لأسباب شتى. ولا يسلم المحامون من أعمال الثأر التي يقوم بها أشخاص وعصابات.

الاحتجاجات تنقلب الى بيئة زاخرة بالعنف، حتى بين المتظاهرين أنفسهم، وتنتهي الخلافات الى مناوشات، واشتباكات، ويزداد العنيف وحشية، بعد نجاحه في الذوبان في الجماعة المتظاهرة، محتمياً بها.

وروى لي صديق أنّ متظاهرا في ساحة التحرير، لم يسلم من التهديد من محتجين شاركهم التظاهرة، فأما ان يرفع ذات الشعارات، أو يُطرد.

وتحت وطأة من الشعور بالقهر والاستلاب، يتنقّل المواطن تحت تـأثير الانعكاسات اللاواعية للعنف ضده، حاملا أوراقه بين طوابير الموظفين، الذين ينظرون إليه بازدراء، فيما هو يحاول أنْ "يتمسكن" أمام جبروت الكراسي، عسى ان يرحمه صاحب القرار ويحسم طلبه، و تحت وطأة سيكولوجية الإنسان المقهور، فان هذا المواطن لا مانع لديه من منح "الرشاوى" تحت عباءة  "الهدية"، كي تُنجز أوراقه.

يقع تحت هذه التأثير حتى الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم "واعين" اجتماعيا، و"متنوّرين"، ويرفضون الاسهام في مكافحة الفساد، إذ حدثني صديق مقيم في ألمانيا، انه دفع نحو مائتي دولار في العراق، كي تُنجز "أوراقه".

وحتى نقاط التفتيش الأمنية، آلت الى شكل من العنف المتبادل بين المواطن ورجل الأمن، في علاقة ناجمة عن الإحساس بالعجز وقلة الحيلة وانعدام الوسيلة أمام وسائل السلطة، وهو سلوك لا يرقى الى مستوى السلوك المتحضر الذي رسّخته الشعوب في حياتها اليومية.

مقابل ذلك، يحاول المواطن الانتقام من رموز السلطات، عبر التشنيع والاشاعات، والنكات، ضدها، في الشارع والتواصل الاجتماعي، في شكل من أشكال العنف "اللفظي" وإرهاب "المعلومة"، ناجم عن الاحاسيس الاضطهادية للمواطن، بسبب نقص الخدمات، وتعقيد المعيشة.

لا تبتعد ظاهرة تخريب الممتلكات العامة، أيضا عن كونها عملية ثأرية من النخبة، من قبل أفراد الفئة الاجتماعية الهشة الشاعرة بالإقصاء والتهميش.

وفي حين يجتاح عنف الملاعب الرياضية، الدول، فانه يتنامى في العراق أيضا، بمستوى أكثر خطرا بسبب انعكاسات الطائفية والقومية والمناطقية عليه، فيما يمكن وصف ما يحدث في دول أوربا -على سبيل المثال لا الحصر - بانه عنف "رياضي" خالص لا تنحسب عليه، المشاكل السياسية والاقتصادية.

وعلى رغم انحسار العنف الطائفي بشكل واضح في العراق، لكن الخشية من عودته تبقى ماثلة، بسبب شعور فئات بالقهر السياسي والاقتصادي، فضلا عن تنامي الشعور بالهويات الفرعية، بدلا من الوطنية.

حوادث انتحار على جسور نهر دجلة في بغداد بين الحين والآخر، تمثل حالة عنفية، يقترفها انسان اضطربت عنده منهجية التفكير، مبرزةً ذهنية انفعالية في وجدانه، تشعره بعدم وجود قيمة له في الحياة.

العراق من بين دول قلائل في العالم، يتناسل فيه قهر المرأة واستلاب حريتها، فيما الثأر العشائري، يتفاقم حيث قانون القبيلة فوق السلطة الرسمية، وانتزاع الحق من خلال الحوار بات وسيلة غير مجدية.. في شرعنة عرفية للعنف.

غير ذلك الكثير.. لكن المهم، في إعادة الاعتبار للمشاعر الراقية، والسلوك المتحضّر، ونبذ التضخم النرجسي، الفردي والمؤسساتي، والعمل على التأسيس لآليات مستدامة تعزّز ثقافة السلوك السلمي، بين الأجيال الجديدة، وترتيب أنماط السلوك، في مجتمع متحوّل يرفض الجمود على الحالة التي هو فيها.

 

29
المنبر الحر / الحرب والحوار
« في: 08:11 15/06/2019  »
الحرب والحوار
عدنان ابوزيد

الحرب شجاعة بجبروتها في القتل والتقويض وإلحاق أفدح الأضرار بالشعوب، فيما الحوار أكثر شجاعة منها، بإرساء السلام والبناء والحفاظ على البشرية من الهلاك.

وبين الحرب والحوار، خصلة، إذا لم تكن شعْرة، لا يقطعها الزعيم الذكي، وإنْ امتلك أسباب البأس، فيما الزعيم الطائش يقطفها ولو بأسنانه، إشباعا لرغباته في سفك الدماء، وتعبيرا عن الاختلال في بنيته الفكرية وأدواته السياسية.

وعبر التاريخ، حين تحلّ الحرب محل التشاور، تنتهي المعادلة الى نتائج سلبية، أبرزها الندم وعدم الاحتكام الى العقل، لكن
حين يكون السيف قد سبق العذل، ولات حين مناص.
يقول انيس منصور وهو على حق: "كما أن الحرب لا تبدأ عند بدايتها إنما قبل ذلك بكثير، فإن الحرب لا تنتهي عند نهايتها إنما بعد ذلّ بكثير أيضا".
وحتى الظافر في الحرب، خاسر، يشعر بالخزي، حين ينظر الى أفق بلاد مهدمة، وبنية تحتية منهارة، وآلاف الايتام والمشردين، والمهجرين.

والمشكلة في خيار الحرب، انه مفتوح وسالك، وحين يصبح عقيدة، فهذا يعني تحول كل أزمة او خلاف سياسي الى اشتباك.
النزاع على الحدود، هو مشروع حرب.
والصراع حول آبار البترول في الشرق الأوسط، مشروع حرب.
والخلاف على مصادر المياه بين وفلسطين ولبنان وسوريا وتركيا والأردن، مشروع حرب.
العلاقات التجارية بين أمريكا والصين، مشروع قتال..
النزاع على الأرض بين العرب وإسرائيل، مشروع حرب..
الخلافات العقائدية والدينية، مشروع سفك دماء..
تقاسم مياه النيل مع دول الحوض وأثيويبا، مشروع يمكن ان يقتل الآلاف..
الخلافات حول الصواريخ والترسانة الذرية بين روسيا وامريكا، مشروع إبادة شاملة.
الاتفاق النووي وتداعياته بين أمريكا وإيران، مشروع انهيار أمم.

لكن كل هذه الاحتمالات تسقط، اذا ما حرصت الشعوب وزعاماتها على الانسان والحياة.
وكلها تتداعى حين يحرص الزعيم على أنْ لا يصغر حجم رغيف الخبر، وأنْ تكون مقاعد المدارس كافية للطلاب،
والمستشفيات توفر الخدمة الصحية للمواطن، والفرد في المجتمع يجد العمل المناسب، وينام هانئا مطمئنا.
 
الاغرب من ذلك انّ الذين يختارون الحرب، نسوا او تناسوا إنّ نهايتها حوار، لكن بعد خراب وخسائر باهظة في البشر والحجر، فلماذا لم يكن هو الخيار الأول الذي يسبق الرصاص.

سنوات من الحرب، دمّرت سوريا، وفي النهاية لابد من الحوار.
 
الحرب الأهلية اللبنانية حصدت الآلاف من البشر، وفي النهاية كان الحسم على طاولة المحادثات..

الحرب العالمية الأولى، ( 1914- 1918 ) قتلت أكثر من 70 مليون انسان، وفي النهاية، كان لابد من
الحوار عبر معاهدة فرساي.
الحرب العالمية الثانية ( 1939 - 1945) الحرب الأوسع في التاريخ، شارك فيها أكثر من 100 مليون شخص، وأودت بحياة نحو مليون شخص، وشهدت القاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي، في اليابان، وفي النهاية، كان الحوار بين منتصر خاسر، وخاسر منهار.

الحرب العراقية الإيرانية ( 1980 1988-)، كلّفت العراق وايران ملايين الضحايا، ومئات المليارات من الدولارات، حتى اضطر الجانبان الى الحوار، الذي وجد طاولة له بعد فوات الأوان.
ولا أحدثك عن الحروب الاهلية بين أبناء البلد الواحد، مثل الحرب الأهلية الأمريكية، وسنوات الحرب الطائفية في العراق.
ولن أحدثكم عن حروب الوكالة في فيتنام والكوريتين، حين تتحول الشعوب المسالمة الى حطب نار الصراع بين القوى الكبرى.
العراقيون الذين كانوا ضحايا حروب متعددة، بأسبابها المختلفة، يدركون جيدا، اكثر من غيرهم، جدوى الحوار، الذي
وإنْ طال، وتشعّب، واستنزف الجهد والوقت، فانه أفضل مليون مرة من لحظة يتغلّب فيها الطيش على الحكمة، لتنطلق رصاصات حرب، يتحكم المتصارعون في بداياتها، لكنهم يعجزون عن وضع نهاية لها، وهي نهاية تفضي مهما كانت
نتيجتها الى حوار، لكن بعد دمار وموت.



30
المنبر الحر / العقوبات والقوة
« في: 18:13 31/05/2019  »
العقوبات والقوة
عدنان أبوزيد

تقف قوة جبارة وراء العقوبات، تحميها وترسخّها، وهي قبل كل شيء دلالة رمزية ومادية على العظمة، والجبروت.
ليس من السهل على دولة ما ان تشن حرب العقوبات على دولة أخرى، فتؤيّدها دول العالم، وتخشى سطوتها وتسارع الى تلبية نداءها.
والعقوبات مظهر من مظاهر البأس، تفتل به دولة ما، عضلاتها، بسبب قدراتها الاقتصادية والعسكرية والعلمية والتنظيمية، ولأنّ الولايات المتحدة هي القوة العالمية الأولى، فأنها تستخدمها كسلاح تهدّد به الخصوم، في إبراز لإمكانياتها الساحقة. اما الدول الواهنة، حتى التي بلغت شأوا من الازدهار في الاقتصاد والسلاح، فانها الى الان عاجزة عن استخدام هذه السلاح المؤثر.

غرّد الرئيس ترامب الدولار، رئيس الدولة المهيمنة على النظام العالمي، في التمويل والتجارة الدولية، والمفرِطة في استخدام العقوبات الأحادية الجانب، عبر التاريخ، بـ(سحب) حزمة عقوبات على كوريا الشمالية، وهي الدولة ذات التاريخ الطويل من فرض العقوبات الدولية عليها، بسبب تجاربها النووية الخمس منذ 2006، حتى سبتمبر 2016، لتعاني من حظر الصادرات العسكرية والكثير من السلع و التكنولوجيا، وفرض حظر السفر على المسؤولين والنخب، وتجميد اصولهم المالية.

وحصد العراق من الحصار الدولي، الذي استمر قرابة 13 عاما، والذي نتج عن قرار الأمم المتحدة رقم 661 الذي صدر في العام 1990، عقوبات اقتصادية خانقة، حرمت المواطنين من الغذاء والدواء ووسائل التكنولوجيا، ما أدى إلى وفاة نحو مليون ونصف مليون طفل، نتيجة الجوع ونقص الدواء.
 
الحصار الأطول في التاريخ كان على كوبا، والذي استمر نحو 55 عاما منذ نجاح ثورتها العام 1959 بقيادة فيديل كاسترو، بعد قيام النظام الاشتراكي الجديد بتأميم الشركات الأمريكية.

ومنذ الإعلان عن اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية، شنّت السعودية والإمارات والبحرين ومصر مجتمعةً، مقاطعة اقتصادية وسياسية على دولة قطر منذ العام 2017. 
 
وفٌرضت عقوبات مشددة على روديسيا الجنوبية (زيمبابوي)، العام 1966 بعد إعلان الأقلية البيضاء، الاستقلال من جانب واحد، لتستمر حتى العام 1969 بعد تحقيق الهدف السياسي منها، في وصول حكومة أغلبية سوداء الى السلطة.

وشنّت الأمم المتحدة حصارا اقتصاديا على جنوب أفريقيا للضغط على نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا، لتنجح الضغوط الاقتصادية في النهاية في تنصيب حكومة غير عنصرية في مايو/أيار 1994.

ولطالما حصد العرب، حصة الأسد، من العقوبات الدولية، اذ فرضت واشنطن سلسلة عقوبات اقتصادية على السودان بسبب اتهامات لحكومته في رعاية الإرهاب.

وشهد العام 1996 تشريع الكونغرس الأمريكي، عقوبات اقتصادية على الشركات التي تتعامل مع إيران وليبيا. وفي 2013، صوت النواب الأمريكي، لصالح فرض عقوبات مشددة، على ايران. وبعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في العام 2018 عادت العقوبات تدريجيا ضد إيران بعد ما رُفعت وفقاً للاتفاق النووي العام 2015، لينتهي الأمر اليوم، بعقوبات هي "الأشد على الإطلاق" تشمل صادرات النفط، والشحن، والمصارف، والقطاعات الأساسية في الاقتصاد.

وإذا كانت كل دولة، تستطيع ان تستخدم الأسلحة الفتاكة في حروبها، فان استخدام سلاح العقوبات، ليس كذلك، ولن يتسنى إلاّ الى الدول التي تمتلك القوة العارمة، التي تجعل الاقتصاد العالمي، طوع قرارها.

ما أحوج الدولة التي رفستها أقدام العقوبات أجيالا وأجيالا، لأنْ تطور مجتمعها واقتصادها، وتنظّم شعبها، لتصبح قوة كبرى، مهابة الجناب، لا تُفرض عليها القرارات والأوامر، بل هي سيدة نفسها، لا تقبل العقوبات الدولية على الأمم الأخرى، الا بما يناسب مصالحها وأهدافها، ولن يتأتى ذلك الا بالتأسيس للدولة المتينة في الاقتصاد والمجتمع والعلم، والإدارة.

31
هل نحن مستعدون لجيل النت الخامس "5G"؟

عدنان أبوزيد

نحن على أعتاب انترنت الجيل الخامس "5G"، الأسرع مائة مرة من الجيل الرابع، واستجابة لحظية لا تتعدى الملي ثانية، ما يفرض على الشعوب واقعا افتراضيا جديدا، ينعكس على حياة البشر، في السياسة والاقتصاد وتداول المعلومة.

وفي حين لا تبدو دول العالم الثالث، مستعدة بالشكل الكافي، لاستقبال هذه الثور التقنية، والمعلوماتية العظيمة، فانّ الدول المتقدمة، وفرّت فرص النجاح، لإدراكها بأنها ثورة اجتماعية أيضا، بمعنى الكلمة، تمهد لبناء مجتمعات ذكية، بشكل تام،
قادرة على التواصل مع بعضها بنفس الكفاءة، وللفرد فيها المهارة والمعرفة، والادراك على استيعاب التطور الجديد سواء بـ "المشاهدة والنقر" و "العرض والشراء"، فضلا عن القدرة على اجادة التقنيات، وتحليل المعلومة، واستيعاب إنترنت الأشياء (IoT) بشكل كامل والقدرة على الانسجام معه.

الجيل الخامس، سوف يُحدث تغييرا كبيرا في ميزان القوى لصالح الصين التي تحتكر تقريبا هذه التقنية وتتفوق على أوربا والولايات المتحدة، الى ان درجة ان مؤسسة الدفاع الأمريكية باتت تخشى من أن بكين قد تتمكن من تعطيل الاتصالات العسكرية الأمريكية أو شن حرب غير متكافئة.
مرجع هذا القلق يعود الى ان أجهزة شبكات الجيل الخامس تنتجها خمس شركات فقط في العالم، في المقدمة منها "هواوي"، و"زد تي إيه"، الصينيتان، وشركتان أوربيتان هما نوكيا وإريكسون، وشركة من كوريا الجنوبية، وفق خبراء أمن وتكنولوجيا المعلومات.

وإذا كان العراقيون قد عاشوا تفاصيل الجيل الثاني (2G) الذي شهد البث الصوتي، والجيل الثالث (3G) الذي فتح الباب أمام البيانات المتنقلة والمحتوى الغني، فيما الرابع أحدث (4G) زيادة في السرعة أطلقته ثورة بث الهاتف المحمول، فان الجيل الخامس سيكون أساس الاتصالات وحوسبة الغد، ما يفرض تحديات حاسمة أمام المعنيين بشؤون الاتصالات، والحكومة تحديدا.

وإذا كان الاهتمام في العراق بهذا الحدث العظيم، لا يتعدى استخدامات الانترنت التقليدية، من تصفح المواقع،
ومشاريع غير متطورة في مجال الحكومة الالكترونية، حيث الوزارات والمؤسسات في العراق، لازالت بعيدة عن
توظيف الذكاء الصناعي بشكل كامل في مفاصلها، وأساليب اداؤها، فان الدول المتقدمة تهيأت لهذا الحدث العظيم، في تطوير صناعاتها، وتأسيس المجتمعات الذكية، وإنتاج السلع المتطورة، وتحديث المصانع بالروبوتات الذاتية القيادة، فضلا عن القطارات والسيارات ومركبات الفضاء التي تقود نفسها بنفسها، وكل ذلك يتيح للدول مجالا حيويا أكبر في السياسة والاقتصاد وحتى الجغرافيا.

انه العصر الذي ينتهي فيه الصراع بالأسلحة التقليدية، الى الحروب الذكية بالتقنيات، التي تجعل من العالم كله عبارة عن لعب إلكترونية تدار بالريموت كونترول، فيما الهاتف المحمول عالي السرعة يوسّع نطاق سيطرته الى الروبوتات وأجهزة الاستشعار والتحكم عن بعد.

الجيل الخامس، يتدخّل حتى في الخصوصيات، حيث بيانات الأشخاص تتحول الى رقائق رقمية، تجعل السلطات لو شاءت ان تعرف اين يقف هذه الشخص، وماذا يفعل في تعقب الكتروني، خاطف.
شوارع المدن، سوف يُسيطر عليها رقميا، فيما السيارات والقطارات تتحكم في مسارها الأقمار الصناعية، وسوف تكون الاتصالات عبر ارجاء المعمورة، بالمجان بشكل كامل، وبسرع تفوق عشرات المرات عن الجيل الرابع، فيما يُرجّح ان تتحول وسائل الاعلام الى رقمية بالكامل، والسيارات بدون سائق ستكون قادرة على "التحدث" مع بعضها البعض عبر أنظمة تحكم، عالية في الدقة.
تخيّل أسراب من طائرات بدون طيار تتعاون لتنفيذ مهام البحث والإنقاذ وتقييم الحرائق ومراقبة حركة المرور، وكلها تتواصل لاسلكيًا مع بعضها البعض.
العراق الذي كان سباقا في استعمال السيارة، والتلفزيون والراديو بين دول الإقليم، قبل ان تحطم الحروب، اقتصاده وبنيته التحتية، جدير اليوم بان يستعد لنيل القصب السبق في خدمات الجيل الخامس، لان ذلك سيكسبه نفوذا اقتصاديا وتقنيا واسعا في الشرق الأوسط.

 

32

الخوارزميات تنهزم أمام الأخبار الكاذبة

عدنان أبوزيد

ما يُحسب لصالح الصحافة التقليدية، ندرة الأخبار الملفّقة، وجودة المحتوى، فيما الصحافة الرقمية، وأخبار الموبايل والتواصل الاجتماعي، تعجّ بالزيف والتدليس، الذي يتكاثر بشكل أميبي، لا اتّجاه له، تعجز عن لجمه، التقنيات والتطبيقات الخوارزمية، ومهارات الذكاء الاصطناعي.

نعم، انها نعمة، في تعزيز العلاقات والتفاعل الاجتماعي، والحصول على المعلومة اللحظية المتدفقة من دون بوابات سيطرة، ولا حسيب أو رقيب، لكن آثارها السلبية، باتت فادحة، وتنذر بالخطر على المجتمعات، لاسيما حين تتناول الحساسيات الطائفية والدينية والقومية، وخصوصيات الأفراد، لاسيما النساء، عبر سلاسل من الإشاعات الممنهجة، ومن ذلك ان منظمة العفو الدولية رصدت 800 رسالة مسيئة موجهة الى نساء معروفات، في العالم، بما في ذلك عضوة في الكونجرس الأمريكي، ونائبة في المملكة المتحدة. وأظهرت بيانات الاتحاد الأوروبي العام 2017، أن 70 في المائة من تعليقات الكراهية غير القانونية، تم الإبلاغ عنها.
لكن ما يحدث في العالم الثالث، لاسيما العراق والدول العربية، أفظع من ذلك بكثير، فيما وسائل الردع أقل، مقارنة
بوسائل الغرب في الدفاع الرقمي.

وكلما انحدر الوعي، لم ترتفع معدلات الاخبار الكاذبة، فحسب، بل يزداد المصدّقون بها، فتنسحب على ردود افعالهم ومواقفهم، ويبدو ذلك جليا في التواصل العراقي والعربي، اذ غالبا ما ينسجم المئات مع خبر، ويتفاعلون معه، افتراضيا وواقعيا، فيما هو في الواقع، كاذب، ليس له أدنى نصيب من الصحة.
 
إنّ أيّ تحليل للبيانات المتعلقة بفعاليات العراقيين في اعلام التوصل الاجتماعي، من ناحية دقة المعلومات والصدق في مواقع التواصل الاجتماعي، سيدرك جيدا ان هذه النافذة العظيمة، يُساء استخدامها في العراق، والبلاد العربية اكثر من اية دولة أوربية، على سبيل المثال لا الحصر.

تجارب العراقيين في خارج البلاد، تفيد بان الشاب الهولندي، مثلا، يستثمر وقته على الفيسبوك، لأغراض ضرورية مثل التواصل مع العمل او مع صديق دراسة، او لأجل الأسئلة المتعلقة بالمهنة والهواية. وفي ألمانيا، فان التواصل الاجتماعي، باعتباره متعة وقضاء الوقت بلا طائل، يكاد لا تجد له اكتراثا، على رغم الانترنت السريع.

في الدول العربية يُوَظّف التواصل الاجتماعي، في أغراض سلبية، عديدة، ومتنوعة، أبرزها التهييج الطائفي والديني، والانتقاص من الشعوب والعقائد، والترويج الحزبي، والتحرش الجنسي، والتمييز بين النوعيات البشرية فيما يندر ذلك بشكل واضح في الشعوب ذات المستويات الجيدة في التربية والتعليم.

لا أحد ينكر، إنّ شركات الخوارزميات، ليست بعيدة عن الاتهامات بغضّها النظر عن الاخبار الزائفة التي يتابعها الملايين من المتابعين، فهي تفضل ارصدتها المالية، على المكاسب الأخلاقية والإنسانية.

سيكون أمراً عظيماً، لو اخذ الفرد في نظر الاعتبار، السلوكيات الأخلاقية والإنسانية في التعامل مع آلات التواصل الجديدة.
وسيكون مجدِيا جداً، إذا ما وُظّفت تقنيات التواصل الحديثة في انجاز معاملات المواطنين، من قبل المؤسسات الحكومية، كما يحدث في هولندا مثلا، حيث تخبرك البلدية والمؤسسة والصيدلية، بموعدك، ووقت استلام دوائك، ولحظة تلبية طلبك من متجر، واكتمال اصدار هويتك من قبل الجهة المعنية، عبر التراسل الفوري في الموبايل.

كما سيكون الأمر ذا نفع عظيم، حين نجد أنفسنا وقد تحولنا الى "كائنات اجتماعية" تديم الثقة وتعزز الصدق عبر
التراسل الافتراضي، وان نقدّم أنفسنا الى الاخرين، كما نحن، قلبا وقالبا، من دون الاختباء خلف شخصية افتراضية غامضة، أو وهمية.

ثمة حاجة الى تعزيز محتوى تواصلي عراقي، يرفد المتابع بالمعلومة الصحيحة، فيما على الجهات المعنية، ايجاد آلية مراقبة حديثة كما في أوربا، تغلق الثقوب السوداء التي يتسلل منها الكذب والتزييف، لكنها لا تتجاوز على حرية الرأي.

33
المنبر الحر / صحافة الموبايل
« في: 09:06 05/05/2019  »
صحافة الموبايل
عدنان أبوزيد

تُبدِّل الصحافة التقليدية رويداً، رويداً، شكلها، ومحتواها، بأساليب جديدة في النشر والتحرير، وفّرتها تقنيات الرصد   والتغطية اللحظية المتطورة.
انه التغيير الكبير، الذي يرسي دعائم إعلام جديد، يختلف جذريا عن الوسائل التقليدية، ولنركّز في هذا المقال على صحافة الموبايل، الذي أصبح مؤسسة كاملة لصناعة الأخبار.

الدراسات تفيد بان الكثير من صحافيي العالم، بدأوا يفضّلون صحافة الموبايل، يشجّعهم على ذلك الهواتف الذكية التي تسخّر لهم تقنيات تحرير المحتوى، بأسرع وقت، وبأدوات محدثة، وعلى أوسع نطاق.
في دول مثل اليابان، بات الهاتف، المصدر الأول لتلقي الخبر، ونشره، والرد عليه.
في أوربا، لا يجادل أحد في انّ الهاتف الذكي سوف يسيطر على الاعلام.
وفي دولة مجاورة مثل السعودية، أفادت دراسة بانّ نحو 82 بالمائة من الصحافيين يمارسون صحافة الموبايل.
وفي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، يصل الثلث من المستهلكين الى غاياتهم عبر الأخبار التي يوفّرها الهاتف الذكي. وسجّل موقع الجوال في نيويورك تايمز، 19 مليون حالة عرض في مايو 2008.

تنمو هذه الصناعة الجديدة بشكل واضح في العراق. وباتت النخب على مشاربها، والمواطنون يتابعون الاخبار ويصنعونها ويبثونها عبر مواقع التواصل، ومجاميع التراسل الفوري، و الرسائل القصيرة أو التطبيقات بواسطة الموبايل.

لقد سهّل التطور المذهل في صناعة الخبر ثم نشره بسرعة هائلة، توسيع مشاركة الناس في توجيه الحدث، والمشاركة
حتى في صناعة القرار، لتتشكّل بشكل نهائي، صحافة المواطن، البعيدة عن سيطرة الحكومات، والمتحررة من توجيه النخب والسلطات.

تفيد التوقعات، بانّ عصر الصحافة التقليدية على وشك أنْ يُدفن، وانّ أجهزة الاعلام الرسمية والنخبوية الى انحسار كبير إنْ لم يكن الى زوال، بل أنّ من المتوقع انه حتى دوائر القرار والزعماء والمسؤولين، سوف يلجؤون الى صحافة الموبايل لبث الاخبار والنشاطات، لاسيما وانّ التطلعات ستجعل كل شخص في العالم يمتلك الموبايل، فيما لا تحتاج دول أوربا الاّ الى جهد هيّن لجعل الموبايل بمثابة الهوية الشخصية والمنبر المتحدّث باسم الشخص، حتى في الدوائر الرسمية. 

أدركت الوكالات الخبرية العالمية، مثل رويترز، و ياهو، وفرانس بريس، وسي ان ان، وبي بي سي، أنّ لا مفرّ من حقيقة هذا التطور، لمقاومة الانقراض، فبدأت تعزّز المحتوى التفاعلي، لصالح حضور اكبر لصحافة الموبايل والمواطن الصحافي الذي يبلغ عن الاحداث عبر حساباته في التواصل الاجتماعي، فيدركها الصحافي المحترف ويحوّلها الى مادة أكثر عمقا، اذا تطلب الامر.

انتشرت أخبار وفاة مايكل جاكسون في العام 2009 على وسائل التواصل قبل أية شبكات أخبار كبرى، قبل نحو الساعتين من تأكيده من قبل لوس أنجلوس تايمز، وأسوشيتد برس. وفي العراق، ينقل ناشطون أحداثا لاتصل اليها الصحافة التقليدية، في القرى، والمناطق النائية، كما التقط مواطنون صورا ومقاطع فيديو، لحادثة "العبّارة" في الموصل وهي تغرق، ونقلتها عنهم وسائل الاعلام المحلية والعالمية.
 
ينتظم عراقيون في مجموعات تراسل فوري، حيث يتراوح أعضاء كل مجموعة بين 100 الى 1500 من المشاركين.
وفي لحظات، يمكنك ارسال الخبر الى المجموعة، وفي لحظات أيضا يمكن صناعة الخبر، نصا وصورة، ليتداوله خلال دقائق، المئات، بل الالاف من المتابعين.
تتطلب هذه الصناعة في العراق، وعيا أكثر بتأثير الخبر على الناس، مثلما تقتضي مستويات جيدة من التعليم والثقافة،
لكي لا ينساق المواطنون وراء الاخبار الكاذبة، التي تؤثّر في المجتمعات الجاهلة، فيما تأثيرها محدود، في نظائرها الواعية والمتعلمة، حيث الأفراد يميّزون قيمة الخبر، ومصداقيته، بسهولة.

adnanabuzeed@hotnmail.com


 
 
 

34

التسامح.. سرّ التفوق والإبداع

عدنان أبوزيد

تعددّت الأسباب، لكن الهجرة واحدة، بين من ينصرف عن بلاده، هربا من الحرب والاقتتال، وبين الذي يقرّر مغادرة وطنه بحثاً عن لقمة العيش، وتحسينا لوضع عائلته الاقتصادي التي ترك أفرادها، مرغماً.
في اغلب الأحوال، إنْ لم يكن كلها، فانّ الهجرة تقصد البلدان المتسامحة، التي لا تقيّم الفرد على أصوله، ودينه وطائفته، وقد نجحت هذه الدول، بسبب هذه النزعة الإنسانية - مهما شكّك البعض في مقاصدها-، ايّما نجاح، في استقطاب الكفاءات والعقول، والأيدي العاملة الذكية.

أميركا وأستراليا وكندا وهولندا والسويد، وغيرها من "الدول المضيّفة"، تستقبل كل عام، الآلاف من المهاجرين الباحثين عن الحرية والفرص والمساواة. وفي حين نجحت الاغلبية من المهاجرين، في ضمان مصدر العيش الكريم والمستقبل الخالي من القلق، بسبب النظام الاجتماعي العادل، الذي يوفّر السكن والراتب الشهري حتى للعاطل عن العمل، فان هناك من المغتربين من نجح مهنيا، في الطب والهندسة، والأعمال الحرة، وارتقى المراتب العالية، اما في السياسة فحدّث عن النجاح، ولا حرج.

من ذلك، انّ عائلة بوش ذات أصول إنجليزية وألمانية، أصبحت السلالة السياسيّة الأكثر نجاحًا في التاريخ الأميركي، بعد هجرتها.
الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، ابن بائع جوال من أب مهاجر، هو ويليام جيفرسون بلايث الأول (1918-1946)، وقد توفي والده بحادث سيارة بعد ولادة بيل، بثلاثة شهور.
زوجته هيلاري، التي ولدت العام 1947، من عائلة بريطانية في الأصل، يعمل أفرادها في المناجم.

ولأنّ التسامح يضمن اعتراف المجتمع بحق العيش في نظام قيمي يحترم الانسان، من دون شعارات وتنظيرات بلا تطبيق، افرزت الحالة الاجتماعية، والإدارات المؤسساتية الحقة، الابداع والخلق، مهما كان مصدره، سواء من ابن البلد الأصلي، أو من المهاجر.
ألبرت أينشتاين من عائلة يهودية، ولد العام 1879، وكان والده هيرمان يمتهن بيع الرّيش المستخدم في صناعة الوسائد، وعملت أمّه بولين كوخ في ورشةٍ لتصنيع الأدوات الكهربائية، لكن التسامح، أتاح لعقله الابداع والابتكار، قبل ولادة البعبع النازي المتشدد.
 
وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كسينجر، مهاجر من المانيا، والوزيرة السابقة، أولبرايت، مهاجرة من تشيكوسلوفاكيا‏، فيما‏ كولن باول مهاجر من جامايكا، وكان والده محاسبا، وأمه خيّاطة‏.
 
الرئيس الكولومبي السابق خوليو طربيه، ابن مهاجر لبناني، وكارلوس منعم الذي حكم الأرجنتين، سوري الأصل، وغيرهم الكثير من النخب المهاجرة في أمريكا اللاتينية.

وكلما اتّسعت مساحة التسامح، زخر التنوع الذي يغني المجتمع بالأفكار والمشاريع، والابتكارات، وحيثما حلّ التعصب،
انحدرت الشعوب الى التخلف والحروب الاهلية، ومعارك الكراهية التي تقتل زهور الابداع، وتمنع الشمس عنها.

وهناك الكثير من المهاجرين الذي لا يبحثون عن المال، ومنهم من بلدان عربية ونفطية غنية، وعلى رغم انهم يتمتعون بمعدلات دخل عالية، في أوطانهم، فانهم يهجرونها، ويهرعون الى دول ديمقراطية متسامحة.
بل انّ رجال اعمال ومليارديرات، يؤاثرون بلدان الغرب بسبب الحرية والاعتدال، والأمن، فيحرصون على نقل أرصدتهم من بلدانهم اليها، ويفضّلون الاستثمار فيها.

فواز حجار، مهاجر سوري، بدأ عمله بمشروع "بيتزا" صغير، وحين دخل الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الأب، وزوجته باربرا بوش، مطعمه، صدفةً ، لشراء قطعة بيتزا، سمحا له بإطلاق اسميهما على المأكولات التي يحضّرها، لتطبق شهرته، الآفاق. 
 
ووصلت ثقافة تقبّل الآخر، واحترامه، الى اقصى انفتاحها، حين تجد مهاجرا نجح في دولة مثل الولايات المتحدة او ألمانيا، لكنه يجاهر بحبّه لبلده الأصلي، ويرفع علمه حتى في المحافل الرسمية، من دون ان يثير ذلك، الحفيظة.

كان الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية نيكسون، يتحدث دائما على القيم الإنسانية والرحمة، التي طُبّقت بشكل عملي لا تنظيري، كما هو الحال في البلدان العربية والإسلامية، حيث يكثر الكلام وينقص الفعل، وانتقد ذات يوم افراد شعبه بالقول ان "بعض الأمريكيين يميل إلى تصوير المسلمين على أنهم نمط واحد من الناس غير المتمدنين، غير النظيفين، المتوحشين وغير العقلانيين"، محذرا من نزعة العنصرية والكراهية، التي إذا ما تمكّنت من الشعوب، نخرتها، وحالت دون وقوفها، قوية، ماجِدة، تحت الشمس.
adnanabuzeed@hotmail.com


35
السؤال الخالد.. لماذا تخلّفنا؟

عدنان أبوزيد

لا يزال السؤال التقليدي الذي تنشغل به مختلف المنابر الفكرية والإعلامية، منذ عقود، يضغط بشكل غير مسبوق: لماذا تأخر العرب عن حضارة العصر؟.

تصفّح غوغل، يتيح رصد أعداد لا حصر لها من البحوث والدراسات، من مختلف الاتجاهات الفكرية، يتقاذف فيها أسباب الانكفاء الحضاري، علمانيون واسلاميون، من سياسيين واقتصاديين ورجال دين، وباحثين، فيما لم يسفر هذا الجهد عن نتائج محسوسة تساهم في تقليل الفوارق بين الأمم المتحضرة والمتأخرة، بعد ان تحوّل الى نقاش عبثي للدفاع عن المصالح والعقائد، لا الحقائق.

الجديد في الإشكالية الحضارية هذه، انّ الكثير من أبناء الشعوب العربية والإسلامية، باتوا يٌخدعون بوهم تقلّص التفاوتات، لاعتقادهم ان حيازة الأدوات المادية من سيارة وتلفون ووسائل اتصال، وتقنيات، يجعلهم في مصاف الدول المتطورة، فيما الحقيقة ان التباينات تتّسع بشكل غير مسبوق، لا سيما في مجالات الاستقرار المجتمعي، والسلم الأهلي، والصناعات والابتكارات المحلية، والهوية الثقافية، والسلوك الحضاري.
وفي الدول النفطية الغنية، بشكل خاص، يكاد ينعدم تمييز الاختلافات الحضارية، بسبب الغشاوة على العيون والعقول التي تتسبّب بها الحضارة الخدمية الجاهزة، التي لا يبدع فيها المواطن، ولا يشارك فيها الا بقدر بسيط، حيث كل شيء مستورد وجاهز، وهو ما يحصل في العراق، على سبيل المثال، لا الحصر.

لقد نجحت الدول "النامية" انْ لم تكن "المتخلّفة" في جعل مجتمعاتها سوقا مفتوحة ليس للبضاعة المادية فحسب، بل
للسلعة الثقافية والفكرية، وهو انفتاح محمود، لكنها فشلت في التأسيس لسلعة وطنية على ذات المستوى من التأثير والأداء، وفيما اتخُمت الشوارع بالإعلانات الضوئية عن الأحزاب، والمشاريع الثقافية والمعرفية، والاقتصادية، فان هذه الكيانات تحوّلت الى نجوم ناجحة إعلاميا، لكنها فاشلة في التغيير والبناء وانتشال الناس من التخلف والضياع.

واستعارت الدول، تجارب منظمات المجتمع المدني، ومنتديات الحوار، والمؤسسات الاجتماعية، والبحثية، لكنها أصبحت في النتيجة أذرعا سياسية للقوى المتنفذة، وغرقت في الفساد.

وحتى في وسائل الإنتاج المادي، فانّ الذي استورد المكائن الانتاجية، أنتج سلعا فاسدة لا تضاهي المنتوج الأجنبي.

كل ذلك، يعود الى اعتماد الانقلاب الشكلي، والديكورات السياسية والاجتماعية والعلمية، فيما بقيت الأمراض والمشاكل، على حالها، بعد ان تحولت القيميّة الى ادّعاء.

أحد الأمثلة الشاخصة في عراق اليوم، العدد "المرعب" من الجامعات في مختلف المدن التي تخرّج مستويات متدنية
في العلم وتطبيقاته، وفي دولة مثل هولندا فانّ مهارات خريج مدرسة صناعة تتفوق على تلك التي يمتلكها خريج جامعة في العراق في ذات الاختصاص.

كما ان الفلاح الألماني يتفوق كثيرا في مهنيته، وابداعه وقدره على الابتكار، من الكثير خريجي كليات الزراعة ومعاهدها، في بلدان "العالم الثالث".
 
أحد أسباب الترهّل في الانطلاق الى المستقبل الذي يمسح الفوارق الحضارية، هو بنية الانسان الفكرية، المدمنة على الأنماط الفكرية النقلية، التي تلتفت كثيرا الى الماضي، وتنظر من خلال ثقبه الى المستقبل، الامر الذي يجعلها تسير بأثقال من العقد التاريخية والدينية ومظاهر النفاق الاجتماعي.
وكان نتيجة ذلك، تحوّل الفرد الى شخص تنظيري عاطفي، ومجادل بارع في النصوص الدينية والسياسية والتاريخية، فيما الابداع والابتكار، ينحسر.
 
التكدسات الماضوية، وهي تتفاجأ بتطورات العصر السريع المستوردة وليست المستنبطة من قبل الفرد، ولّدت غالبية مشوّهة فكرياً وسلوكياً، قادت الى انفصام واضح في ذات الفرد، بين مثاليات تحفل بها النصوص المحفوظة عن ظهر قلب، وبين الواقع المرير الذي يعاني من نقص الخدمات في مختلف القطاعات.
انّ الارتهان إلى الخطاب الاجتماعي والسياسي، والإعلامي، الحالي سوف يعوق وظيفة العقل الجمعي الابتكاري،

لان التلقين والتربية في المدرسة والمجتمع القائم على النرجسية الماضوية، والافتخار بأمجاد غابرة، واليقين بانّ ما لدينا من معتقدات هي أفضل من مثيلاتها لدى الاخرين، تضغط على العقل، وتجعله أسير الحدود التي رسمها لنفسه، وتقذف به خارج معادلة التطور والانفتاح.

adnanabuzeed@hotmail.com


36
هل يحترم العراقيّ الوقت؟

عدنان أبوزيد

مع انّ الوقت الذي يفرّ من أيدينا كل يوم، هو رحلة الى المستقبل، الا اننا نشعر بخسارته، ويتعاظم الإحساس بفقدانه أكثر، كلما تقدّم بنا العمر، وزاد الالتفات الى الماضي.

الفرق بين الشعوب المتقدّمة والمتأخّرة، انّ الأولى لا تستدير الى الوراء، بل تجري الى الأمام، فيما الشعوب التي تعطّلَ الزمن عندها، تعيش في الماضي، وتنهل منه حاضرها، بأدق التفاصيل، ما جعل منها في حالة من ازدواجية التفكير، ماضوية الأدوات، لا تهتم للمستقبل الا كونه نسْخاً مطابقا للماضي.

لا ابالغ في القول، حسب تجربتي في العيش مع شعوب مختلفة، لاسيما الأوربية الغربية منها، انّ الزمن لدى الانسان العراقي يمر في حالة "تراخ شديد"، وانّ عقارب الساعة تتحرك بسرعة أقل، إذا ما عبّرنا عن ذلك مجازيا، واستسلمنا لنسبية الزمن.

والشعوب مثل الأفراد، فالفرد الذي تجاوز سن الأربعين، يشعر بمرور الوقت بدرجة أسرع، من الشخص الثلاثيني،

فيما الوقت كان بطيئا جدا في طفولة كليهما، ليتسارع رويدا، مع السنين.

الوقت الذي تقيسه المشاعر، يتباين كثيرا عن الذي يؤشره بندول الساعات الجامد الإحساس، وقد قرر العلماء في جامعة "هارفارد" الامريكية انشاء شبكة من الساعات الدقيقة، تحدّد الوقت بدقة متناهية لم يعرفها العالم من قبل تعتمد على سيل من معلومات توفرها ساعات تنشر في جميع أنحاء العالم بحسب تقرير نشرته مجلة "الفيزياء والعلوم الطبيعية" الامريكية.

الساعات تعتمد في الوقت الحاضر، على شبكات افتراضية وليست حقيقية ترتبط مع بعضها البعض في انحاء الكرة الارضية. ويعتقد العلماء ان هذه الطريقة الجديدة في حساب الوقت ستوفر دقة تعادل مائة مرة، أدق ساعة ذرية عرفها العالم الى الان، لا يتم تعديل انحرافها إلا بأقل من ثانية في كل 14 مليار سنة. وترتبط شبكة الساعات هذه بعشرة من الأقمار الصناعية، وتتواصل مع بعضها البعض ومع ساعة ذرية في المدار حول الأرض، حيث يرسل القمر الصناعي المعلومات الى الساعات على الأرض، لتصحيح أي انحراف في الوقت.

هذه الاكتراث للوقت هو سر تقدّم الأمم التي تسعى الى ساعات أكثر دقة، لكي يكون تعاملها مع المستقبل، أكثر حيوية، وأجزل عطاء، فلم يعد الوقوف طويلا عند الماضي، يشغل الشعوب طويلا، طالما انّ لا وقت يتوفر للانتظار على اطلاله بعد ان تعددّت أدوات اختزال الدقائق والساعات في العمل والدراسة، للوصول الى نتائج أفضل بأقل جهد، وأقصر وقت.

العراقيون الذين سُرق زمنهم لنحو عقود، تبدّد خلالها الوقت، والثروة، والبشر، مطلوب منهم تعويض ذلك اضعافا مضاعفة اذا ما ارادوا اللحاق بالمستقبل والخروج من نادي الدول التي لا تحترم الوقت ولا تدور في عجلة الزمن.

بل انهم يحتاجون الى تقويم زمني يختلف في تفاصيله توقيتاته عن الشعوب التي لم يفتها قطار التعليم والسلام والأمان،

وان لا تدع عقرب الساعة يقف عند محطة بابل واشور وأور، لأنها في مفردات العصر، ليست سوى أطلال زمنية، نعتز بها، ولا نقف عندها.

انّ الرؤية المكانية للوقت، تحتم ديناميكية التفكير، والتخلي عن التعصب الزمني، الذي يقود الى "التخشّب" الذي يخدع سهم الحاضر ويجعله يتّجه الى السالف، الآنف، لا الآتي، المُقْبِل.

وفي الواقع، فإننا لا زلنا نتعامل مع الوقت بمفردة عنفية، تقول: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"، وهو مفهوم، لم يقدّم لنا مفهوما عمليا، او يحقّق لنا إنجازا، لأنه يصوّر الزمن غريما، يجب الانتصار عليه، من دون امتلاك أدوات مناسبة للحرب معه.
الكفاءة في "ترشيد" الوقت، يقرّب من الشعوب المتقدمة التي وضعت "العقرب" الصاعد للمستقبل، لا النازل الى الماضي، رمزا مقدسا.

بعد كل ذلك، انطلق في أفكار المقال، من التسليم بان المتابع يدرك الفرق بين الزمن والوقت.

صفحات: [1]