المحرر موضوع: "فلنذهب اليه" رواية في فصول  (زيارة 1207 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل behnamatalah

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 21
    • مشاهدة الملف الشخصي
رواية في فصول - الفصل الثاني

فلنذهب اليه

للروائي البولندي هنريك سينكويفش - ترجمة ابراهيم عيسو



ثانيا - في الإسكندرية

وأخيرا انهارت آمال سينا وتدهور ، فآلت أمواله إلى الدائنين والمرابين فلم يبق له إلا التعب الكبير والخور العظيم كما يحدث للإنسان بعد العمل الشاق المضني فيصيبه تقزز ممل مقرف . وحتى تلك الساعة لم يكن يعلم إن سأما عميقا غير متزن قد اعتراه بل إنما كان يشعر بشيء غير معروف . انه استمتع بالغنى والحب كما كان معروفا في روما وبالمجد وحتى بالخطر ... واستوعب كافة المعارف البشرية ، واستوفى نصيبه من الغنى والشعر ... فكان بمقدوره والحالة هذه أن يفكر بأنه قد اغترف من أطايب الحياة كل ما كانت الحياة تستطيع أن تمنحه إياه . غير انه كان يشعر في قعر نفسه بلا شعور وانه بدون عقل لأنه قد أهمل شيئا جوهريا . ولكن ماذا كان هذا "الشيء؟" لقد كان يجهله تماما . فعبثا كان يستجلى رأسه ويستوحيه لمعرفته ...
لقد حاول مرات عديدة مقاومة هذه الأفكار ونفض هذا الغم ، فأراد التأكد من أن في الحياة لا يوجد شيء أكثر مما ذاق واستمتع به ولا يمكن أن يكون ... ولكن عوضاً عن أن يخمد هذا الكرب فقد تضاعفت وتفاقم بلباله واستفحل غمة وكربه حتى اضطره إلى أن يعتقد بأنه ليس وحده يغتم ويسوده الكرب بل العالم كله .
لقد آل به الأمر إلى أن يبغض المرتابين متخذا منهم عديمي العقل ؟
ألم يحاولوا ملء الفراغ من لاشيء ؟ ويحملون بذلك ؟...
يبدو أن إنسانين يعيشان الآن فيه : الواحد يشحب ألمه وكربه بقوة وشجاعة ، والثاني يعتبر هذا الغم وهذا الكرب مبررا حتما ولا بد منه .
وبعد فقدان ثروته وانهياره ، أرسل سينا – بفضل نفوذه العظيم – إلى الإسكندرية بصفة موظف حتى يتاح له – في نفس الوقت – إعادة ثروته فيها . لقد رافقه غمه على ظهر الباخرة وتبعه عبر البحار . لقد كان يعتقد ، إن مهمته الجديدة والعالم  الجديد الذي يبدو أمام ناظريه ثم تأثيره ونفوذه اللذين لا بد أنهما سيعودان ، كل ذلك جعله يعتقد بأنه سيحرره من هذا الرفيق الثقيل ولكن هيهات ! فقد كان مغرورا ! لقد اخطأ التقدير !
مضى شهر ، وتبعه ثان ٍ ... ولكن عبثا . وكما إن البذور المستوردة من ايطاليا تنمو بحيوية أكثر في تربة الديلتا المعطاء والسخية ، هكذا نما قلقة وأصبحت غرسته الطفلة شجرة أرز عملاقة ضخمة وأصبحت ظلالها كثيفة جدا في نفس سينا .
قبل كل شيء حاول أن يسرّى عنه وينفض غمه بأن يحيا كما كان في روما . وكانت الإسكندرية مدينة الدرس والمسرات ثرية بصحبات مفرحة مرحة : الرومان بأعينهم النارية واليونان بشعرهم الأشقر المصبوغ بالصفرة الواضحة تذهبه شمس مصر بانعكاسات عنبرية شفافة رقيقة . لقد بحث أولا عن الهدوء بالاجتماع بهم ومصاحبتهم . ولكن عبثا !
إذن ، ما العمل ؟ فلا شيء أمامه سوى الانتحار وقد حلم به ، لان عددا من أصدقائه قد وضعوا حدا لهمومهم بهذه الطريقة ولأسباب واهية اقل تفاهة من أسبابه : أما بعلة سأم بسيط وأما بسبب البطالة أو بالإحرى  إن هذه الحياة التعسة ليس اية جاذبية وهي بخسة بحيث يوجد أسباب مبررة للتشبث بأهدابها بهذا المقدار ... إذن ، سيف بيد عبد مخلص وسيتم كل شيء بطرفة عين !...
تمسك سينا بهذه الفكرة وكاد يحققها لولا أن حلما غريبا باغته فثناه عن تنفيذ قصده .
لقد تمثل له في الحلم "أنه بينما كان يعبر نهر النسيان "ليتى" شاهد على الضفة المقابلة –نعم ! شاهد كربه بسيماء عبدٍ جائع وهو يحييه قائلا:"لقد سبقتك يا مولاي حتى اتبعتك ههنا !"
للمرة الأولى خالجه الخوف والرعب في حياته كلها . لم يستطع – من خجل أو رجل – إن يحلم بالحياة الأخرى ، أو بحياة بعد هذه الحياة ... وعليه يجب إن  يحصل عليها بعد الانتحار ... وسيتبعه غمه ويلاحقه كربه .
عزم في كربه وغمه على الذهاب ال ى علماء سبرابيوم (1) أملا منه لعله يجد لديهم مفتاح اللغز .
يا للأسف الشديد ! هؤلاء أيضا لم يكتشفوا شيئاً ! ولكنهم آسوه بأن خلعوا عليه "لقب العالم " وهو لقب الشرف يمنح عادة للرومان من الدرجة العالية وللشخصيات الكبيرة .
لقد كانت تسلية ضعيفة وان هذه "الشهادة العالمية " كانت واهية لدى رجل لا يقدر على إيجاد حل لا عوص معضلة مقلقة لحياته ومنغصة عيشه!
لقد بدا هذا "التهكم" قاسيا لسينا ، بيد انه لم يقنط لأنه متأكد أن "سيرابيوم" لا يكشف عن حكمته إلا لمنتسبيه وحدهم .
ما بين علماء الإسكندرية ذوى النفوذ العميق حينئذ كان "تيمون الاثينى" وهو رجل ثري ومواطن روماني أتى الإسكندرية ليخترق كنه أسرار العلم المصري وكان يسكن هذه المدينة منذ عشرين سنة . لقد قيل عنه انه لم يدع رقا ولا ورق بردى إلا فك رموزها وحل مستغلقاتها ، وكان قابضاً على أعنة العلوم البشرية كلها ومتبحرا فيها . ثم انه كان رجلا طيبا وديعا سميحا .
لم يجد سينا صعوبة كبيرة بان يميزه عن جماعة "المدرسين
 دعاة العلم . وفي وقت قصير أصبح تلميذه ، وبعد أيام تبدلت علاقات المعلم بالتلميذ وآلت إلى صلة وصداقة حقيقة راسخة جدا .
كان الشاب يعجب في أستاذة لوذعيته وتفنن لغته  وفصاحته ، وبالأخص عمق تفكيره ، حينما يناقش المواضيع  الرفيعة السامية ويتكلم عن مآل الإنسان وعن نهاية العوالم . ومما كان يدهشه في أستاذه ويأسره – علاوة على ذلك – إن حزنا مبرقعا كان يختلط مع هذا التبحر والعمق في التفكير . وبعد أن رسخت صداقتهما أكثر ، جازف سينا أن يسأل "الشيخ " عن أسباب هذا الحزن ، فانتظر سنوح الفرصة ليفتح له قبله ويطلعه على مكنونات صدره . فلم تتأخر هذه الفرصة إن سنحت .

(1) (serapeum) اسم أعطى من قبل الرومان لمعابد سيرابيس واشهر هذه المعابد كانت معابد ممفيس وإسكندرية .
وسيرابيس : اله مصري في الحقبة البتوليمانيك والرومانية والذي ينبثق من أبيس أو المؤله او اوريزيس أبيس مع اله غريب من مصر . وبعدئذ وحد مع بلوتون


-------------------------------------------------------------------
* نشرت في جريدة (صوت بخديدا) العدد (40) تموز 2007