المحرر موضوع: القطار  (زيارة 1117 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل abdal yousef abdal

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 319
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
القطار
« في: 23:47 12/10/2007 »
إن الذئاب
تسكر فوق الأطلال
و تأكل حتى الأموات
و نحن نجتر القضية
و كان شيئاً لم يكن
يونان هومة
القطار
(مهداة إلى يونان هومة ... الجرح الذي لا ينام)

م . أبدل أبدل




عندما كنت كبيراً ....تفتحت عيوني على أرجاء قرية جميلة تربعت منتصبةً على تلةٍ شامخةٍ أحاطت بها ألوان الطبيعة من كل مكان .
و لطالما أطلتُ المكوث على نافذة ورديةٍ مشرفةٍ على أرجاء المكان مراقباً قدوم القــــطار  المواظب على المرور فوق سكة حديدية موغلة في القدم كثيراً ..
علاقة حب - عجزت كلماتي عن البوح بها - ربطتني بذلك القطار الذي كان شيئاً قريبا من أعماق القلب رغم بساطته و عربته الوحيدة التــــي ظل يجرها رأس عنيد رغــم وعــــورة الدروب و ابتعاد المسافات .

سافرت بذلك القطار مراراً ... ربما سافر هو الآخر بي من دون أن ادري .
تعرفت عيوني على سهولٍ شاسعة الامتداد و جبالٍ شاهقة القمم و أنهارٍ متدفقة الـــــــمياه و أراضٍ خصبةٍ بدت باردة التضاريس ... باهتة الألوان كلما قارنَتها أحلامي بامتداد ســــهول قريتي و عظمة جبالها و تدفق أنهارها و خصوبة ترابها الشهي الذي كان لون جلدي يشبهه كثيراً, كأن يداً قد جبلتني من ذرات ترابه ذات يوم .
محطاتٌ كثيرة استوقفت آمالي و قدمت تأشيرات دخولها لتستقر أحلامي فيها ... لكن قلبي مـــــا استطاع ذات يوم أستبدالها بمحطة قريتي التي كانت تطيل الوقوف على رصيف الشوق بانتظاري كلما أردت أن أعود .

وعندما أصبحت صغيراً ...أُلحقت عربةٌ جديدةٌ بالقطار الذي تباطأت حركته صوب القمم و بدا صفيره مشوشاً و ثقيلاً على مسامعي التي استعذبته طويلاً, فوجدت نفسي مقسماً بين العربتين  كلما حزمت أمتعي وأعلنت الرحيل إلى الضفة الأخرى للذاكرة , و تقوقعــــــــت أحلامـــــــي بين أشرعة السفر و مرافئ الحنين عندما أغلقت محطاتٌ كثيرةٌ أبوابها أمامي ,وبدأت أشــــــــعر بالتعب و الإرهاق كلما أردت أن أسافر .

و عندما أصبحت صغيراً أكثر ... و ذات صباح أسودٍ مثقل بهموم الماضي و أوجـــــــــــاع الحاضر , ألحقت عربة ثالثةٌ بالقطار, فعلا ضجيجه و بدت ملامح الضيـــاع على عينيه الوادعتين فأصبح كثيراً ما يخرج عن سكته , و يضيــــع في دروب غريبــــــــة , و يتوقف في محطاتٍ مشوهة الجدران برسومٍ و كلماتٍ مبهمةٍ كتبت بأبجديات مبعثرة الحروف .
و ذات مرة ... حين عقدت العزم على السفرمن جديد لأجترع بعض الشموخ من كؤوس الماضي  , وجدت جسدي ممزقاً و موزعاً  بين عربات ثلاثٍ  , وحين غلبني النعــــــــاس أخيراً تمكن لصوص الليل من مغافلتي و سرقتي , فوجدت نفسي غريباً عن نفسي وأنكرتني قريتــــــي  عندما ارتميت عائداً محطماً ذات ليل علـــــــــى شرفاتها ,و لكنها عرفتني أخيراً حين شمــــــت رائحتي و تفحصت زمرة دمي التي ظلت إيجابية رغم كل الظروف .
و هكذا تشتت جسدي و بعثرث شذراته رياح السموم في العراء وما زال من الصعب لـــــمُ شتاتــــه من جديد..... و لكني احتفظت بهويتي  ,كما ظل رأســــــي معــــي محملاً بأطياف الماضي و آمـــــــال بمستقبل سيكون .

مذ ذاك اليومِ وأنا رأسٌ بلا جسد و حلمٌ بلا كينونة.
منتظراً ما زلت أن تستجمع الأقدار أشلائـي المتناثرة هنـا و هناك في أصقاع الأرض علّني أعــود كبيراً كمـا كنتُ ....
منتظراً ما زلت عودة القطار القديم لأرتاح  في عربته التي طالما حملتني إلى النجوم .


 
12-10-2007



   



غير متصل غاده البندك

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2206
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: القطار
« رد #1 في: 09:01 13/10/2007 »
اخي العزيز ابدل

و نحن كنا ننتظر بفارغ الصبر عودة المبدع ابدل بيننا نحمل بدواخلنا يقينا انه سيعود محملا بوجبة دسمة الى قرائه الاحباء..

اما ذلك الكأس المرير الذي تجرعناه معك الآن في قراءة هذا النص فلم يكن الا واحدا من حلاوة المرارة التي تعودنا على تجرعها في قصصك الرمزية الهادفة.

الشيء المطمئن قليلا هو ان الرأس مازال بخير و الحلم مازال حيا في داخل هذا الرأس.

لك كل التقدير والاعجاب

غاده