المحرر موضوع: حنين ... و بقايا صور  (زيارة 3570 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل abdal yousef abdal

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 319
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
حنين ... و بقايا صور
« في: 16:55 17/11/2008 »
 
حنين و بقايا صور

أبدل أبدل
 


عاد أخيراً ...و لهفة ربع قرن ٍ من الغياب تكوي أعماق فؤاد ظل ينبض حباً و شوقاً غامراً .
من سيقبَل أولاً ؟
أماً .... ما عادت تبصر جيداً بعد غيابه الطويل .
إخوة له ... ظلوا يعيشون على جرعات ٍ من أمل ٍ كانت ترسل إليهم في بطاقات معايدة موسيقية , أو عبر صور ترد إلى صندوق ٍ بريدي لا يفتح إلا قبل الأعياد السعيدة .
أصدقاءً ... حُفِرت أسماؤهم بحروف ٍ من ذهب ٍ هناك في أعماق ذاكرة ٍ عامرة ٍ بأطياف من أحبهم بكل صدق .
عتبةَ منزل ٍ ... وقف عندها ذات يوم ٍ بدأ فيه الحبو ,فانطلق مستكشفاً جمال قرية أنعشه هواؤها , و لفحت شمسها جسده الغض الطري .
ترابَ وطن ٍ ... ظل يكبر في خياله حتى ضاقت به تلافيف الدماغ فذاب في الشرايين الحزينة أغنية ترددها كريات دمائه مع كل دقة قلب عاشقة .
دموع ٌ طازجة عفوية دافئة ... كصباحات ٍ صيفية نضحت من عينيه البريئتين حين استقرت قدماه أخيراً على أرض المطار .
ها هو يجثو راكعاً كناسك ٍ مترهب ٍ في معبدٍ قديم .
ها هو يلثم بشفتيه تراب الوطن باحثاً عن معالم وجهه فوق ساحة إسفلتية سوداء , فتستقر عواصف الشوق و الحنين تارة ً , وتارة ً تهب لتعصف من جديد ...
الطريق نحو القرية البعيدة يبدو طويلا ً بلا نهاية ... إنها مسافات الشوق التي تطول كلما طوت يد التقاويم يوما ً آخراً من سفر اغترابه ’ لتكفن الدقائق و اللحظات ما تبقى من شراذم روحه .
يطيل النظر إلى ساعته ...
يستعلم عن الوقت أحياناً من شاشة جهازه الخلوي .
يستعجل سائق السيارة أثناء الوقوف في المحطات المتناثرة على الطريق الصحراوي الأليف .
وصل القرية أخيراً بعد منتصف الليل .
ها هي دواليب السيارة تزحف بكل رفق كأنها تحرص ألا توقظ أحدا بعد يوم صيفي متعب طويل .
عواميد منارة ٌ ... سلات مهملات ٍ .. طرق معبدة ٌ كانت ذات يوم ٍ دروباً ترابية لطالما أعاقت أوحالها و صوله إلى مدرسة القرية الوحيدة .
الجميع كان بانتظاره ...
أمه .. إخوته .. أصدقاؤه .. عتبة البيت , شجرة التوت و صنبور الماء  و سور الحديقة القديم .
استقبل طيلة الأيام الثلاثة التالية ما تبقى من أهله و أصدقائه و أقاربه ’ وشباب لم يتعرف عليهم لكنه تحدث عن ذكريات ربطته بذويهم أو أقاربهم .
صديق ٌ قديم ٌ حبيب  وفي ..كان عليه أن يتفقده بنفسه و يطمئن عليه بعد أن ظلت أخباره تقض مضجعه و تؤرق تفكيره طيلة الثماني عشرة سنة الأخيرة ....
صباح اليوم التالي ....
تقلّد كاميرته الرقمية و انطلق عبر دروب ضيقة تغطي جنباتها بعض أشجار يابسة و أخرى ظلت على قيد الحياة رغم أنف القدر ...
خطوات قصيرة كمسافة حلم  تفصله عن لحظة لقاء حلم بها كثيرا ...
وصل أخيراً بعد أن أدمت الأشواك عينيه و قلبه ...
ها هو يدق بأصابع الشوق أبواب الذكرى و الحنين ...
وقف وحيداً أمام بيت صديقه ...
تفاجأ بذبول أشجار الحديقة واحتلال الأعشاب الطويلة اليابسة فناء البيت ...
أين رحلت كل العصافير التي كانت تغني هنا طوال النهار ؟
أين تبعثر صوت الشلال الهادر... ؟ هناك حيث كان يطيب له أن يسبح حتى المغيب .
من قتل أسماك الحوض و استبدلها بكل هذه الضفادع الشاحبة النعيق ؟
من قطع أوردة الحياة عن الكروم الحالمة بمواسم العطاء ؟
صاحت روحه بأعلى صوتها مناديةً ..و لكن أحداً لم يكن هناك ليرد على استغاثاتها الكئيبة  ..
لم يلتقط سوى صور حزينة مؤلمة ستحتفظ بها ذاكرته الرقمية العنيدة  حتى آخر يوم في حياته.
لم يعثر على أحد ...فكل شيء كان قد تبدد كشذراتِ غيمات ٍ صيفية الحنين .

   




غير متصل مهند الكانون

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2076
  • الجنس: ذكر
  • رغم إنَ أشرعة أيامي مُمزقة .. لكني سأبحر
    • MSN مسنجر - hanody_2@hotmail.com
    • ياهو مسنجر - hanody_2@yahoo.com
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: حنين ... و بقايا صور
« رد #1 في: 20:33 17/11/2008 »
عاد أخيراً ...و لهفة ربع قرن ٍ من الغياب تكوي أعماق فؤاد ظل ينبض حباً و شوقاً غامراً .
من سيقبَل أولاً ؟؟
أماً .... ما عادت تبصر جيداً بعد غيابه الطويل .
إخوة له ... ظلوا يعيشون على جرعات ٍ من أمل ٍ كانت ترسل إليهم في بطاقات معايدة موسيقية , أو عبر صور ترد إلى صندوق ٍ بريدي لا يفتح إلا قبل الأعياد السعيدة .
أصدقاءاً ... حفرت أسمائهم بحروف ٍ من ذهب ٍ هناك في أعماق ذاكرة ٍ عامرة ٍ بأطياف من أحبهم بكل صدق .
عتبةَ منزل ٍ ... وقف فوقها ذات يوم ٍ بدأ فيه الحبو ,فانطلق مستكشفاً جمال قرية أنعشه هواؤها , و لفحت شمسها جسده الغض الطري .
ترابَ وطن ٍ ... ظل يكبر في خياله حتى ضاقت به تلافيف الدماغ فذاب في الشرايين الحزينة أغنية ترددها كريات دمائه مع كل دقة قلب عاشقة .
دموع ٌ طازجة عفوية دافئة ... كصباحات ٍ صيفية نضحت من عينيه البريئتين حين استقرت قدماه أخيراً على أرض المطار .


_________

ها هي دواليب السيارة تزحف بكل رفق كأنها تحرص ألا توقظ أحدا بعد يوم صيفي متعب طويل .


تقلّد كاميرته الرقمية و انطلق عبر دروب ضيقة تغطي جنباتها بعض أشجار يابسة و أخرى ظلت على قيد الحياة رغم أنف القدر ...


لم يلتقط سوى صور حزينة مؤلمة ستحتفظ بها ذاكرته الرقمية العنيدة  حتى آخر يوم في حياته.
لم يعثر على أحد ...فكل شيء كان قد تبدد كشذراتِ غيمات ٍ صيفية الحنين .

_________

الأخ العزيز في الروح والقلم 
أبدل أبدل


تتوق العيون لكلماتك ويشتاق القلب لسردك البهيّ ..
جبلة الإنسان  أساسها  الأحساس والمشاعر والحنين
ولو لا الحنين لما كانت الذكريات جميلة رغم أحزانها 
ولما كان الحب في لوعة ً وشوق لكل صور السنين التي رافقتنا ..
مع كلماتك كان الحنين جميل وكانت الصور ألم و آهات .. وقطفت الأثنين منها  .

تحية عميقة لروحك الرفيقة
ليحميكم الرب 
** الحب في معجم الروح هو : نبع ٌ ينضح في القلب .. يفيض بنا شوقاً ..  ويطوف بنا عشقاً **

غير متصل مانيا فرح

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 647
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: حنين ... و بقايا صور
« رد #2 في: 16:56 18/11/2008 »
الاخ  ابدل

الحبكة القصصية  المتقنة    هي  من تشد القارئ ليعيش  الحث  في  القصة

ولكن  ان  كان الشعور  المشترك بين القارئ  والكاتب   


هو الوتر  الذي تغنيه  الكلمات  طيلة هطول  رذاذ   الحرف  ..  فلابد  ان  يترك  اثرا  بل  واثر  عميق


تخيلتها  القرية ...الطريق الترابية ...شجرة التوت

كلها  تحمل   في ذاكرتي  لها  اياما  مضت ...




دمت  مبدعا

مانيا
علينا .. أن نزرع الورد في زمن الاظافر والأنياب

غير متصل abdal yousef abdal

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 319
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: حنين ... و بقايا صور
« رد #3 في: 19:57 01/12/2008 »
الأخ العزيز مهند ...
 الأخت مانيا .....

يبقى نهر الخابور ساكناً في أعماقنا نحن آشوريو الخابور أينما ذهبنا و حيثما اتجهنا , و عندما نكتب عنه فإن الكلمات تأتي صادقة دافئة
أهديكم كلماتي و شكرا لردودكم اللطيفة
أبدل

غير متصل nahrain goro

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 43
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: حنين ... و بقايا صور
« رد #4 في: 14:53 25/02/2009 »
أشعلت بكلماتك غريزة العودة للوطن للكثيرين ممن غابوا خلف البحار بلا أثر
حبكة قصصية رائعة و صور مؤثرة
نهرين

غير متصل abdal yousef abdal

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 319
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: حنين ... و بقايا صور
« رد #5 في: 23:00 15/05/2009 »
شكرا عزيزتي نهرين
كنت أنتظر منك نقدا ادبيا مفصلا
شكرا لكلماتك الجميلة