المحرر موضوع: ريشة في مهب الريح...!!  (زيارة 1213 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل andros57

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 109
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
ريشة في مهب الريح...!!
« في: 16:06 24/12/2008 »
ريشة في مهب الريح...!!

اندراوس هرمز



لم يترك ابو ( سابويا ) وسيلة دبلوماسية ، أو بروتوكولية ، أوالايتكيت بأصنافه أو مهارات العلاقات العامة بأنواعها ، وفن التعامل مع الآخرين وملحقاته ، إلا وسلكها ليقنع بها أبنه ( سابويا ) بالسفر ، فكان يشغل تفكيره دائما ويعمل كل ما يستطيع في حث ولده على الهجرة حتى لايفوته قطار الركب ، ولكن من دون جدوى ، تنحني والدته على قدميه تقبلهما متوسلة ً علـّهُ يغير قراره ويسافر لكنها لاتفلح ، إنها الأم الجاهلة مهما حاولت لاتفلح في إيصال عاطفتها الى أبنائها، صرختها دائماً تعبث بكيانها فتلطم وجه حسرتها لتموت في صدرها أمنية لم تكتب لها الحياة ولن تكتب على ما يبدو .
قال خاله الأستاذ : اسمع يا ابن أختي : إن فلسفة الهجرة هي الرائجة اليوم ، واعتبار شدّ الرحال إلى الخارج هدفاً جديدا يتبارى في الحديث عنه كل الناس في كل الأوقات وتحت أي ظروف! الهجرة يا ابن أختي هي سنّة كونية حتى الحيوانات إذا رأت نفسها في الخوف أو ضغط الظروف فإنها تهاجر لاستمرار حياتها  ، والمهاجر تتفتح له آفاق كثيرة ويرى ويتعلم أموراً كان يجهلها ، ويحصل على مغانم كثيرة .
يهزّ (سابويا ) يده في ألهواء هازئاً ، ويستشيط غضباً ( فيعلى صوته) : لماذا تكلمني هكذا ؟ انا لست طفلاً حتى تقوم بتوبيخي بهذه الطريقة وأنا مسؤول عن نفسي ولي خصوصيتي ، ثم يهب من مكانه وهو يردد :
ـ أنا لاأريد . أنا لاأريد . كان ( سابويا ) يعيد جوابه المعهود في كل مناسبة تخص الهجرة ومشتقاتها ( الهجرة شأنها شأن كل تغيير في حياة الإنسان- فيها صعوبات بالغة، وذلك لأن الإنسان إذا ألف شيئاً فإنه يتعسّر عليه الإقلاع عما ألفه إلى شيء مجهول )
يقف ابو (سابويا )  وسط الغرفة هائجاً ملتاعاً من هذا الجواب ، يضرب الجدار بقبضته ، فتتساقط حفنة من التراب . عن اية الفة يتكلم هذا الكلب أبن الكلب ، (الحصان العاطل عن العمل يكتفي ببعض الحشيش ليقف يوماً كاملاًً على أربعته تحت الشمس !!)


يضيف الأستاذ :اسمع يا ( سابويا ) يا أبن اختي ماذا يقول احد الشعراء في موضوع السفر :

فالعنبر الخام روث في مواطنه...... وفي التغرب محمول على العنق
والكحل نوع من الأحجار تنظره..... في أرضه وهو مرمي على الطرق
لما تغرب حاز الفضل أجمعه ....... فصار يحمل بين الجفن والحدق
ويقول ايضاً:
إني رأيت وقوف الماء يفسده ... إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب
والأسد لولا فراق الأرض ما افترست... والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمة.... لملها الناس من عجم ومن عرب

يغوص (سابويا ) في نصفه النائم، يفتح عينيه ويغلقها مرّاتٍ عديدةٍ، يفرك يديه اتركها يا خال للزمن ، فالزمن اصدق قاض قد يعدل . ،( قالها وعيناه تراقبان حركات والده الثّائرة )

ـ لن ينفعك هذه العناد يا سابويا ... كلّ شيء تغيّر ، وغداً تندم عندما تجد نفسك وحيداً ، غداً يا سابويا ، يركب أصحابك قطار الهجرة ... وحدك تبقى يبتلعك الملل والضجر  ، وتصبح كالماء الراكد .  يا حمار :  الماء إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب !!. ( قالها والده بعد أن خمدت قليلاً عاصفة غضبه متأثراً بابيات الشعر التي اصدح بها الأستاذ أبن حماته ) .
ـ يا صهري... أطلق العنان لعقله  ، دعه يحلل ويبني ويستنتج , ودع فكره يتأمل و يصوغ فلسفة لحياته ، لاتكرر كالببغاء كل ما اقوله ، لا يجب أن نتفق على كل شيء ، وإنما يجب احترام الآراء المختلفة .
 ـ يا استاذ هذا الحمار لديه مشكلة في طريقة التفكير، ويكون سلبياً دائماً يعني يفهم الآخرين خطأ، وعندما يفكر في أي موقف يأخذه على أنه تحدي . اقسم بالله حتى الشمس لو وقفت في الفلك دائمة.... لملها الناس إن كانوا عرباً أو آشوريين !!
ـ ليتك يا خالي تصرف جهدك وطاقة عقلك وعصارة فكرك..في شيء آخر أكثر جدوى من محاولة اقناعي... فالنصيحة وحدها لا تكفي..  !! أعطني رأيك، واتركني لأتصرف، هذا ما أريده من الناس حولي…… لا أريد لشخص أن يربطني بمستقبل هو يرسمه لي، انا صاحب الشأن، وأنا من احدد، وأنا من انظر لكل الزوايا بحسب نفسيتي وشخصيتي.

ـ يا خال :اسمع هذا آخر كلام لي وبعدين اصطفل انت حر . ترى أي شيء لايعمل يضمر ، وعليه فانت مهدد بالضمور !!.
ـ يا استاذ قبل ما تروح... اسأل سمسار الفيزا إذا كان السعر واحد للأبن والأب لأنه حاسس أنه عندي بعض الأعضاء الجسدية المهمة في طريقها للضمور من قلة الأستعمال ، الله يساعد اختك الجاهلة هذه ، يا ريت لو تفهم شوي بعلم الضمور والأنكماش .( قالها أبو سابويا وهو يدس أغراضه في حقيبة السفر ) .
ساد صمت لبرهة وكأن الكل  يستجمع خيوط  الحديث
 خفض ابو سابويا رأسه قليلا .وأطلق زفرة طويلة ..وهو يهز رأسه ثم نظر إلى الجميع نظرة سريعة … فرآهم يراقبونه وينظرون إليه بإزدراء وإحتقار !!!



ماذا تريدون أن أقول لكم !!؟؟
ثم زفر مرة أخرى ونظر إلى عيناي الأستاذ نظرة إسترحام وإستعطاف ..
وقال بصوت متقطع … ونبرات حزينة..

انا شخصيا كنت دائم الاحتراق كي اضيء طريقهم...ولكني دائما اضيع طريقي..
لانك عندما تضيئ دائما لغيرك.. سيمر وقت لا تضيء لهم ولا لنفسك…لابد أن يهاجر أحدنا... فليكن أنا ... نحن كالريشة في مهب الريح تسيرنا الرياح وفق ما تريد، مسلوبي الإرادة لا نملك دقة توجيه مسارنا ، (بيت شعر يأخذنا وبيت شعر بيجيبنا ). الله يسامحك يا استاذ ...يعني كان ضروري تغرد شعر؟

- لبنان -