المحرر موضوع: نبأ وفاة...!! / قصة قصيرة  (زيارة 2602 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل andros57

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 109
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
نبأ وفاة...!! / قصة قصيرة
« في: 20:11 26/01/2009 »
نبأ وفاة...!!

قصة قصيرة

كان الأبن البكر كالعادة يمارس هوايته المفضلة ، ويجوب الإنترنت من موقع لموقع ، حين سألته والدته إن كان هناك أخبار جديدة عن الأهل في الوطن أو المهجر ، في هذا الصباح الجديد ، بعد أن ايقنت إن هذا الجهاز الساحر" الكمبيوتر" ، وهذا الذي يسمونه انترنيت ، اصبح من أهم وسائل التواصل ، ومصدر مهم للمعلومة ، وربما المصدر الأول لها ، وخاصة لشعب مشتت يسيح بأصقاع الأرض مثلهم .

قال الأبن كمن يتذكّر شيئاً مهماً : نعم لقد قرأت منذ قليل في موقع البلدة نبأ وفاة سيدة ، الا أنني لم أعر لذلك أدنى اهتمام ، لعدم معرفتي بها !! التفتت الأم نحوه كمن صعقها تيار كهربائي... ومن أين لك أن تعرفها ...!! وقد ولدت هنا في هذه المدينة التي تبعد عن البلدة أكثر من700 كم ... فأنت لاتعرف من البلدة سوى اسمها ، وقد بلغت العشرين من عمرك...

لم تزرها خلال تلك الأعوام الا مرتين على ما أذكر !... لم تقل لي ما ذا كان اسم تلك السيدة المتوفية؟

ـ لم يجب الأبن على سؤالها ، حاول العودة لتصفح موقع بلدة أبيه من جديد بالضغط على بعض الأزرار في "لوحة المفاتيح " ... اسمها (درّة يوسف شماس )

ـ درّه يوسف شماس ؟!! لاح الصمت من عيني الأم كمطرقة ثقيلة هوت على رأسها … امتنعت عن قول أي شئ… صمت أطبق على المكان للحظة…. شخصت العيون نحو الشاشة الزجاجية... الا يوجد صورة لها ؟

ـ لا

ـ الم يذكر كم عمرها ؟!

ـ لا

ـ الم يذكر اسم زوجها ومن هم أولادها وبناتها ؟!

ـ لا... كل ماهو مذكور هنا (ببالغ الحزن والالم ننقل لكم نبأ وفاة المغفور لها (درّه يوسف شماس ) من بلدة (زهمتى ) والتي وافتها المنية اثناء زيارتها لكندا...

ـ استشاطت الأم غضباً ، ثم اندفعت في حديثها ، واحتد صوتها ، وكأنها تفرغ بذا شحنتها وغضبها ، بالله قل لي ...هل هي حزورة ؟!! أغبياء ... أنهم أغبياء...هل هي " بابا روما " حتى يعرفها الجميع لمجرد ذكر اسمها فقط ؟!! هناك اكثر من عشرين درّة ولؤلؤة في بلدة (زهمتى )...وعليك أن تحزر هذه أياها !! عن أي درّة يتحدثون يا ترى ؟!! ابتعدت الأم عن أبنها بخطوات ، وكانت الدهشة واضحة على ملامحها حتى أنها لم تغمض عينيها من بعد أن سمعت ذلك الخبر( خوفي أن تكون درّة أخت زوجي بعيد الشر عنها ، فالأسم مطابق تماماً ... ولكن لماذا لم يخبرنا أحد هاتفياً !! ) قالتها محدثه نفسها...( ماذا نفعل مع أقرباء لنا يقاطعوننا ولا يريدون قرابتنا ؟ لقد انقطعنا عن السؤال عنهم نحن أيضاً كما يفعلون معنا...)

ـ ما الأمر يا أمي ؟ ما الشيء الذي أزعجك وكدر خاطرك هكذا ؟ هل تعرفين هذه السيدة ؟

ـ نـ..عم...؟ ماذا ...؟ ( وقد وضعت يدها على شفتيها ، وهي تحاول تعديل قسمات وجهها باللامبالاة ) ، همت بالدخول الى غرفتها عندما استوقفها صوت زوجها من غرفة المعيشة

ـ هل الفطور جاهز يا جوليا ؟

ـ نعم ... نعم ... الشاي جاهز ، والفطور على النار .

ـ الفطور على النار...؟!! مابك يا جوليا من صباح الخير يا فتاح يا رزاق ؟ ... تتكلمين من الشمال الى اليمين !! قالها وهو يحدق بعينيها و كأنه يريد أن يخترقهما إلى دماغها ليعرف الجواب قبل أن تنطق به ، لم تنطق الأم بشيء هبت من مكانها متوجه الى المطبخ وقد بدا عليها الارتباك والحيرة...

ـ مالي أراكِ مرتبكة ؛ حائرة ؛ خائفة ؟ (ثم لم يتمالك نفسه فـلحق بها ) ... حاولت أن تلهي نفسها بتجهيز الفطور دون أن ترفع رأسها ، عاد يتأملها، وهي تتجنب النظر في عينيه مباشرة مخافة أن ينفذ إلى أعماقها ويعرف بماذا تفكر ؛ فعيناها مرآتان تعكسان له فوراً ما بداخلها.. قالت وهي تحاول ترتيب الحروف على لسانها :

درّة يوسف شماس... اليست أختك ؟ فاجأه السؤال مع انه اعتاد على اسئلة غريبة عجيبة من زوجته ، الا أنه ارتبك قليلاً هذه المرة ، فأدرك أن في الموضوع إشكالاً ما ، وفي لهجة لا تخلو من الاستهجان والسخرية في آنٍ واحد تهكم الزوج قائلاً: لا ليست أختي... ولكن لم تسألين؟؟

ـ ارتبكت الزوجة لوهلة واشاحت بوجهها لعلها تستمد شيء من القوة والشجاعة لتواجه بها تلك اللحظة.. ومن ثم لم تلبث ان قالت بصوت خافت حزين : لقد نشر نبأ وفاتها في موقع البلدة !!

ـ قال باستغراب : نبأ وفاة ؟.. عن أي درّة تتحدثين؟... وقف لحظات دون حراك .. لحظات تمشي بتثاقل .. شعر بجفاف شديد في حلقه وكأن كومة من رماد السجائر رُميت فيه . تصور ماضيه كله حين أغمض عينيه ، تماسك قليلاً حتى لا تفضحه الدموع المتسربلة بين خطوط و تجاعيد وجهه يحاول تذكر ما جرى بينهما في آخر لقاء معها منذ ما يربو على الثلاثين عاما ، رفع رأسه وهو يتقدم نحو زوجته ببطء .. ثم قال بعد صمت ثقيل وبلهجة متلعثمة : ماتت... فلتمت... الله يرحمها ، وهذا لايعني أني أعفو عنها !! و كأنها لم تفعل شيئاً !!

فأنا مازال قلبي مكسور وجروحي غائرة ومازالت تنزف ... وحياتي محطمة و وحديثها ما زال لي كابوساً جاثماً على صدري ، وأسمها اصبح خناقاً يلف حول رقبتي .



ـ كل هذا بسبب خلاف حول قطعة أرض ورثتموها عن والدكما ...!! أنها أختك يا رجل ، وستظل أختك مهما حصل بينكم ، فالأخت أُم ثانية ! ثم أنك قد تركت البلدة منذ ثلاثين عاماً ،واحوالك المادية جيدة والحمد لله ، فما حاجتك للأرض طالما لاتستثمرها ؟!! المرأة توفيت ، والوقت ليس بوقت العتاب. يجب ان نقوم بواجب العزاء مهما كانت الظروف .

التفت اليها الزوج وقد قرر أن لاينطق بكلمة أخرى ، خشية أن تقوده الى حوار آخر ، وهوخير من يعرف عطشها الى الكلام ، فاكتفى بهز رأسه .

ـ هيا تناول فطورك بسرعة ، وانا سألملم ما يلزمنا من حاجيات للسفر ...

ـ قلت لك انني لا أعرفها ، وهي ليست أختي ، اختي توفيت من زمان بالنسبة لي، ونقطة عالسطر ، هيا أغربي عن وجهي .

ـ (بالفعل ليس كل ذكر هو رجل. للأسف هناك الكثيرين منهم محسوبين على الرجال الا انهم لا يعرفون معنى الرجولة التي تتمثل بالوفاء بالعهد وتحمل المسوؤلية والشجاعة ومواجهة المشاكل بحكمة .) قالتها الأم وهي غير آبهة بنظراته التي كان الشرر يتطاير منها،

ـ انفجرت شرارة الغضب في عينيه، فقد اتزانه وتماسكه، وصاح باستنكار:‏ هل جننتِ؟ رفع يده بسرعة وصفعها بكل قوة لتسقط على الأرض ... تلاها سيل من الشتائم المقذعة انصبت عليها ، وهو المعروف بمزاجه الحاد، وغضبه الشديد لأتفه الأسباب .

يجب أن تدركي أنني لن أسمح لك بإهانتي وإذلالي، ولن أتخلّى عن حريتي وأسلوب حياتي، شئتِ أم أبيتِ، أمامك أحد خيارين، فإما أن تلوذي بالصمت والأدب، وإما أن تحزمي حقائبك وتغادري إلى الأبد.‏ اشتد الموقف تأزما، الى درجة التشابك بالأيدي.. حاولت الدفاع عن نفسها ولكن مقاومتها انهارت ... وبخطوات مثقلة بالمهانة انسحبت من مواجهة تعرف أنها غير مؤهلة لخوضها... ما إن وصلت إلى غرفة النوم حتى سمعت صوت ابنها ينادي: أمي...أمي ... لقد اتضحت الآن هوية السيدة في أول رد على النبأ...أنها زوجة المدعو " يعقوب خلدو " .

ـ قالت الأم وهي تأن تحت وطأة الآلام والركلات المبرحة التي عمت جميع جسدها،... يلعن أبو الأنترنيت... على أخت الموقع... خبر ذلك الذئب المتوحش ... أن المتوفية ليست أخته... فليمت قهراً .


اندروس هرمز / لبنان



غير متصل Enhaa Yousuf

  • مشرف
  • عضو مميز
  • *
  • مشاركة: 1703
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • http://www.enhaasefo.com/
رد: نبأ وفاة...!! / قصة قصيرة
« رد #1 في: 16:19 27/01/2009 »
الاخ اندروس

استوقفتني هذه القصة كثيرا
تجسيد لاكثر من فكرة وبشكل رؤيوي متكامل منسوجة من الواقع المعاش يوميا
من خلال نبأ وفاة ابدعت في تصوير مشهد اُسري بكل زواياه مؤثثاَ ايّاه بهموم العائلة ومشاكلها .. لتبرز بين السطور  رسالة وهي انه في الاحزان تزول كل الخلافات والواجب يفرض نفسه .. وايضا لم يغب عن سماء قصتك هطول لمشاحنات وانفعالات حيث رفرفت اجنحة الاب الغاضب محاولا الانقضاض على فريسته  ليس لانه على حق بل لانه رجل !! وله السيادة ... حتى تنتهي القصة بخاتمة لا تخلو من روح الدعابة المشحونة بالم الام وحظها العاثر ...
احييك على ابداعك
امنياتي لك بمزيد من التألق
انهاء

غير متصل مسعد خليل

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 180
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: نبأ وفاة...!! / قصة قصيرة
« رد #2 في: 13:21 28/01/2009 »
رائعة جدااااااااا ومؤثرة عن حال الناس مع بعضهم شكراااااااااااااااااااااااااااااااااا

غير متصل andros57

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 109
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: نبأ وفاة...!! / قصة قصيرة
« رد #3 في: 16:46 28/01/2009 »
المبدعة إنهاء
أسعدني مرورك الجميل والمميز ...شكراً للشموع المعطرة...التي اضئتيها هنا... بأناملك المدمنة إبداع
دمت شاعرية متألقة...
اندروس هرمز

غير متصل andros57

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 109
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: نبأ وفاة...!! / قصة قصيرة
« رد #4 في: 16:51 28/01/2009 »
الرائع دوماً مسعد
كل الشكر على ماتفضلت به...تمنياتي بأروع النجاحات
اسعدني مرورك الكريم

غير متصل مانيا فرح

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 647
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: نبأ وفاة...!! / قصة قصيرة
« رد #5 في: 16:59 09/02/2009 »
استاذ  اندريه ...

طبعا انا لست  بناقدة لما اقرا ..

ولكن عندما يهديني قلبي ان اتوهج بحديث الكلمات ..ذلك اني قد وصلت لغاية مما قرات

وهنا ... اجد اني قد وجدت بين كلمات  شيئا كان يوما ما ضائعا ً.....



لك احترام وتقدير

مانيــــــــــــــــــــ ا
علينا .. أن نزرع الورد في زمن الاظافر والأنياب

غير متصل andros57

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 109
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: نبأ وفاة...!! / قصة قصيرة
« رد #6 في: 18:45 14/02/2009 »
الأخت العزيزة مانيا
سعدت بمرورك الكريم...تقبلي جل تقديري واحترامي
اندروس هرمز / لبنان