المحرر موضوع: غير جائزة للنشر... !!/ قصة قصيرة  (زيارة 1685 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل andros57

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 109
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قصة قصيرة

   
غير جائزة للنشر... !!

اندروس هرمز
   



ألحت عليه زوجته، وطالبته بكتابة كلمة تأبين تليق بمقام صديق العائلة القديم ، الكاتب والشاعر المعروف ( دهر أبو آشور) الذي وافته المنية أثر مرض عضال . على أن ينشرها في منتدى أحد المواقع المحلية وما أكثرها في الشبكة العنكبوتية (الانترنت) ، ويكون بذلك قد عبق  بالوفاء والبر للفقيد ابن البلد .
سألها الزوج قائلاً: وماذا سأقول ؟ وأنا لا أملك ناصية اللغة لأكتب شيئاً مما بداخلي ،  لا أستطيع أن أعبر عن ما يختلج في النفس من الاحترام والتقدير والامتنان، والله !! إن ما أشعر به دَيْنٌ يُطوِّق عنقي ! ... أحياناً كثيرة نحتاج لـقلب يشعر بما يجول داخل قلوبنا... ولا نجده !
قالت الزوجة بلهجة حازمة : اكتب أي شيء يحمل معنىً صاخبا مميزا. لا يهم، فنحن هم أحبابه وأصحابه ،أهله وعشيرته، نحن من يجب أن نعدد مناقبه ، ونذكر أفضاله وأياديه . أنسيت يوم كنت عاشقاً ، وكنت تكتب لي القصائد ؟
قال الزوج وهو يصطنع ابتسامه خفيفة باهته محاولاً الهروب من الإجابة على سؤالها : لقد كان هم الثقافة همه وأمر الكتاب هاجسه ، فما تعصب لمدرسة أو حزب ضيق ،أو طائفة منزوية . كان كالنحلة يطوف بين صنوف الورود والأزاهير، ثم يخرج لنا عسلا مصفى لذة للشاربين في فن رفيع، وتواضع أصيل وبيان بديع. ألف رحمة عليك يا أستاذ ( دهر أبو آشور ) .
لملم الزوج عدة الكتابة ودخل غرفته ، كان مرتبكاً يشعر بورطة حقيقية ، تمتم بينه وبين نفسه قائلا : ( من أين جلبت لي زوجتي هذه الفكرة الجديدة ؟ ـ ألا تعلم أن الرغبة في الكتابة وحدها لا تكفي ؟  قد تكون محقة ! فمن غير الجائز أن أطور كتاباتي دون أن أنطلق في الكتابة الفعلية، الكتابة قد تكون في الكثير من الأحيان موهبة الشخص ، فلماذا لا امنح موهبتي فرصة لتنمو وتكبر معي ، ولماذا لا احترف الكتابة طالما أني أهواها، لابد أن الجملة الأولى من حبر قلمي، ستقودني إلى كتابة الفقرة كاملة!)
 أمسك قلمه وقرّر أن يكتب عن صفات الفقيد  الجمة التي من أبرزها الطيبة والصدق، إذ لم يكن يفرق بين ما هو لحاجته وما لحاجة الآخرين. كان إنسانا كما يجب أن يكون الإنسان .
 أن الكلمات تعجز عن الوصف فالحدث جلل والمصاب أليم برحيل رجل تعددت مناقبه الحسنة، إلا أن الكبار لا يموتون، حيث أن أعمالهم الخيرة وخصالهم الحميدة تظل عالقة في صفحات التاريخ، وفي مخيلة من جاوره وعرفه عن كثب .
 سرعان ما وجد  نفسه يبحث عن أصل كلمة تعبر عما يريد كتابته، لكن دون جدوى، مزق الصفحة التي كتب عليها... أدرك أنه بحاجة إلى فنجان ساخن من القهوة يردّ له روحه وينشط عقله من جديد ويعيد عافيته كما يقول .
بعد دقائق عاد إلى غرفته، أمسك قلمه مجدداُ وأخذ يكتب من جديد يكتب. يتوقف ليتابع، وهو يتمنى لو أكمل دراسته كي يمتلك ناصية اللغة فيكتب بطلاقة وانسياب، لكن، وهو يكتب، تستعصي اللغة أحياناً وتحرن.. فرساً لم تروض بعد..، تذكر أن قريباً له متمكن بعض الشيء في اللغة العربية التي يكنّ لها الرهبة ، اتصل به وسأله عن بعض المفردات، ومضى في كتابته عن حياة الفقيد ، لم يكن راضياً عمّا كتبه ، كان يشعر أنه يكتب مجرد عبارات لا تعبر عنه، ولا تعبر عمّا يريد قوله.
مزق الصفحة مرة أخرى، وأخذ يكتب من جديد، لم يكن ما كتبه على الصفحة السابقة، يختلف كثيراً عمّا يكتبه الآن، بعض التغييرات البسيطة ليس إلا ، لكنه أنهى مهمته هذه المرة، بعد ساعات طويلة من الضغط على أفكاره المشتتة  التي لازمها الاضطراب والاحتدام وصعوبة الإرساء على قرار .
نادى زوجته وقرأ عليها تلك الصفحات المطولة التي كتبها لكي يمتحن مدى نجاحه أو عدم نجاحه في عملية الكتابة. كانت تصغي إليه باهتمام واحترام ، وقد سحرها بأسلوبه وتعبيره .
قالت له وهي تحبس دموعها التي تحجرت في مقلتيها :  تفاجأت بقوة بيانك وجرس ألفاظك وتصيدك لأجمل العبارات وحسن المعاني ودقائق الألفاظ والأفكار ... صدقني ما زالت المفاجأة تعقد لساني . ولأنه يعرف تماماً أن زوجته ليست من أرباب البلاغة ولا فارسة من فارسات البيان أو رائدة من رائدات الأدب والفكر والذوق الأدبي الرفيع والأسلوب المشرق الجميل . قرر أن يعرض ما كتبه على الأستاذ ( راجع راجع ) أبن بلدته مدرّس اللغة العربية ، فهو الشخص القادر على سبر أغوار العمل الأدبي وقراءته بشكل موضوعي ، متوقفاً عند جمالياته وإبراز أوجه التميز شكلاً ودلالات ورؤية .  سيطلب ملاحظاته، ويتقبلها برحابة صدر وسرور، وهو متيقن أن أعظم الكتاب تنتقد كتاباتهم وأحياناً تصدر مقالات معارضة لها.
وضع الزوج ( كلمة التأبين ) التي كتبها ولأول مرة  أمام الأستاذ ( راجع راجع ) ورجع خطوة إلى الوراء، سيطر الانتظار على تفكيره فبدأت الهواجس تقتحم عليه عقله وقلبه… عيناه تحدقان من بعيد في كل كلمة كتبها… . أحس بالرهبة  , فحاول الامتلاء بقدر كاف من الشجاعة , ليقاوم رهبة المكان . قرأ الأستاذ ( راجع راجع ) سطورها، همهم وابتسم ثم رفع رأسه و تلألأت ابتسامة ناضجة على شفتيه تحت شاربه الكث. نظر إليه، وقال بإعجاب:‏
- رائع... رائع...
هدأت ثورته ، وانطفأت ناره ، لما أحس بقرب الفرج واحتمال أن تبتسم الدنيا له ويصبح كاتباً مشهوراً، كاد يطير فرحاً، لولا أن قال الأستاذ: ولكن...‏
سأله مستغرباً وفي نبرته تلعثماً وتردداً.‏: ماذا....؟!‏
- انظر هنا..‏
‏ اقترب الزوج  وهو يسحب قدميه بثقل يحمل نفسه ليقف على قدميه  انحنى قليلاً  ونظر إلى الورقة ... وقال متسائلاً : أين ؟!
خط الأستاذ بالقلم الأحمر على أحد السطور، وقال:‏
- هنا... اقرأ.... لا اعتقد أن أحد من أهل البلدة يسمح بهذا الكلام.‏
قال متلعثماً محمر الوجه والعنق..‏: أستاذي... أنا لم أسيء لأحد في حياتي حتى لو بادر الطرف الآخر بالإساءة ، أنا كتبت وجهة نظري ، لم أذكر أسماء أو ألقاباً أو صفات.‏
- ولكن كان بإمكانك ذكر المحاسن وتبيانها وذكر الأخطاء وحلها بدون الغمز واللمز ، وهذه المجموعة من الإيحاءات والعبارات الغير مباشرة من طرف خفي، وخاصة وأنك حديث العهد بالكتابة.‏
هل تفهمني؟!‏
حاول أن يبتلع غصته التي ظلت كصخرة مدببه تجرح حلقه... وقال: طيب.. احذفه.‏
كان يعتقد أن هذه الملاحظة هي الأولى والأخيرة، لولا أن أضاف الأستاذ مستنكراً:‏
- وهذه الفقرة هنا.. فيها تلميح وإشارة إلى حزب ما..‏.
قال الزوج كمتهم يدافع عن نفسه: ولكنه حزب غريب ولا يوجد في البلدة أنصار له . أين المشكلة..‏؟!
- يا عزيزي... الحزب الغريب.. إما صديق لا تريد عداوته أو عدو لا تود أن تستفزّه.. أنا أخاف عليك .. لأن حديثك عن بعض القضايا السياسية بهذا الشكل قد يجعلك تقضي بقية عمرك في السجن ! ألست معي؟!‏
 خرجت من صدره زفرة طويلة بأسف وحسره .
وقبل أن يسمع الأستاذ جوابه حذف الفقرة بخطين أحمرين متصالبين، ثم تابع بشيء من اللوم والاستنكار:‏ما هذا ؟!!
أخي أنت رجل مثقّف من وجهة نظري المتواضعة ....ما بين النهرين هذا الاسم التاريخي الكبير والعظيم يظل أكبر من مفردات المناطقية التي تسيء لنا ولبلدنا . مهما كان هناك اليوم من فساد ، ثق بأنه سينتهي وسينتهي أهله وتبقى بلاد ما بين النهرين . أتمنى أن تكبر على هذا الشعور وعلى هذه المفردات التي تضر بنا ... أرجو أن لا أكون قد تطفّلت أخي العزيز ولكنها نصيحة ورأي محب لا أكثر!!
تنحنح الزوج قليلاً ثم قال بصوت مبحوح : الحق معك... أحذفها .

أنظر هنا... وهو يحذف الجملة بإشارة الضرب بالخط الأحمر  تقول : هذا الكتاب عديم الفائدة
ـ والصواب : هذا الكتاب معدوم الفائدة

وهنا تقول: تحرّى عن الأمر ، فتعدي الفعل ( تحرّى ) بحرف الجر ( عن )
ـ والصواب : ( تحرّى فلانٌ الأمرَ ) ، أي توخاه وطلبه
تقول : إنشاء الله سأشتري الكتاب ولكن قل بمشيئة الله سأشتري الكتاب .
فالأولى تعني الافتراضية يعني ممكن أن اشتري لو أراد الله وممكن لا اشتري .
والثانية تعني انعقاد نية الشراء بتوفيق الله ومشيئته .
أما إنشاء الله فهي تكتب إن شاء الله...

- هل من ملاحظة أخرى يا أستاذ راجع؟!‏
- لا... أبداً.. الباقي رائع
أعاد له المقالة، وقد تحولت إلى لوحةٌ فسيفسائية من العهد البيزنطي التي كانت تزين أرضيات الكنائس في تلك المرحلة وطمست معظم فقراتها وسطورها وكلماتها، وقال:‏
- أعد كتابتها على هذا النحو حتى تكون مجازة للنشر.‏
عندما قرأ الزوج ما بقي من النص، لم يجد من خصال الفقيد الجمة التي ذكرها إلا الطيبة . عندها قرّر عدم نشرها لأن الطيبة وحدها سوف لن تفي بالغرض .


- لبنان -

   



غير متصل هبة هاني

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 785
  • الجنس: أنثى
  • انا عراقية الوجع
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الاستاذ الكبير اندراوس
حينما يكون الكاتب صادقا فانه يخرج بقصة كتلك التي سطرتها بكل شفافية وحرفية
جميل جدا
دمت كبيرا
هبة هاني
للتواصل مع الشاعرة عبر الفيس بوك او الماسنجر او البريد الاليكتروني
اضف: hiba_hani@yahoo.com

غير متصل Enhaa Yousuf

  • مشرف
  • عضو مميز
  • *
  • مشاركة: 1703
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • http://www.enhaasefo.com/
الاخ العزيز اندراوس

بشغف قرأتُ قصتك وانا على يقين ان بين اسطرها حكمة وجمال وابداع
فالعنوان يرسم في مخيلة القارئ اكثر من افق تستريح على اكتافه شمس الاثارة والتشويق
وعند جملة " الطيبة وحدها سوف لن تفي بالغرض " .توقفتُ طويلا
واتسائل  كم من استاذ مراجع ...  نصادفه في حياتنا يوميا
وربما مثل هذه الدروس لن تُبقي لنا ابواب الحياة مفتوحة .. !!
اعجبني كثيرا اسلوبك المميز في طرح الافكار
تحياتي الخالصة

انهاء

غير متصل andros57

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 109
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الأخت العزيزة هبة
عاجز عن شكرك في لقبك لي بـــــ(الأستاذ الكبير ) وعاجز ايضاً عن شكرك في كل كلمة إطراء
نثرتيهاهنا ...ونسجها قلمك الرائع....

دمت مبدعة

غير متصل andros57

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 109
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الأخت العزيزة إنهاء
أشكر لك تواصلك الطيب ومداخلاتك القيمة
التى تثرين الموضوع دائماً بآرائك الواعية وكتاباتك الراقية
لاحرمنا الله من تواصلك الجاد
بارك الرب فيك وأعزك
تقبلي كل التقدير والأحترام... دام تألقك