المحرر موضوع: دونما حب*  (زيارة 1025 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سهر العامري

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 122
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
دونما حب*
« في: 14:52 15/06/2009 »
دونما حب*
               
سهر العامري
في زحام شوارع أثنا ، وفي حر صيف لاهب ، ورغم اختلاف ملامح الوجوه ، ومدة زمنية طويلة من الافتراق لكنها عرفته حين وقعت نظراتها الأولى عليه ، وقالت لنفسها : إنه سامي ! أنا متأكدة من أنه هو بعينه ، لم يتغير فيه شيء كثير ، شاب نحيف البنية ، يميل الى السمرة ، سريع الخطو مثلما عهدته حين كنا ندرس في صف واحد من الكلية التي تخرجنا فيها . ولهذا لم تتوانَ منى من ألحاق به ، وتنادي عليه من على مقربة بعد أن تيقنت أنها لا تستطيع اللحاق به ، وبعد أن أخذتها سورة من التعب في ذلك الجو المفعم بالحرارة :
- سامي ..! سامي ..!
التفت سامي نحو مصدر الصوت بعد أن حبس أقدامه عن السير . ثم قال مع نفسه : من أين عرفتني هذا الفتاة الشقراء ؟ فهو لم يسبق أن تعرف على واحدة من البنات اللائي أمضى معهن شطرا من حياته في تلك الجامعة بهذا الشعر الأشقر الحريري الذي راحت الريح تعبث به على وجه بضي بلون الثلج وعلى عينين حوراوين ضاحكتين ، كما إنه لم يتعرف في حياته على نساء بهذه الصورة في حياته العملية إلا اللهم أولئك المدرسات الأوربيات اللائي زاملهن في ثانوية من ثانويات العاصمة الجزائرية ، ولكن هذه الفتاة ليس واحدة من هن ، فهي من بلده ، وتتحدث بلهجته .
- هل عرفتني ؟
- من أنت ؟ هل أنت سميرة ؟
- كلا . ليس أنا هي !
ظل سامي يتصفح وجوه بعض الطالبات اللائي درس معهن وجها وجها ، وهو يرمي بنظراته بعيدا عنها ، يعلقها تارة في المارة المتراكضين، وتارة على شبابيك البنايات المصطفة على امتداد ذلك الشارع الضيق ، والذاهب نحو الأكروبولص الذي لا يبعد سوى بضع عشرات من الأمتار .
- سأقول لك من أنا ، قالت ذلك ثم ضحكت ضحكة بانت معها أغلب أسنانها ، عندها تذكر سامي صاحبة ذلك الوجه الذي طالما نم عن مرح طفولي .
- أنت منى ! قال ذلك وهو واثق من قوله ، ثم أردف : لقد غيّر صبغك لشعرك كل ملامحك التي اعتدت أنا على رؤيتها ، لقد كان لونه الأسود منسجما تماما مع بياض وجهك الذي كنت تطالعيننا فيه كل صباح ، حينما كنا على مقاعد الدراسة .
- هل تريدين من الآخرين أن ينظروا لك على أنك من الفتيات الأوربيات في هذا البلد الأوربي ؟
- لا . ولكن تلك رغبة ظهرت عند فتيات هذا الزمن .
- هل وصلت وحدك أم أن هناك أخريات معك ؟
- معي أحلام زميلتنا وواحدة أخرى أنت لا تعرفها ، ولهذا آمل أن نلتقي جميعا مساء اليوم وفي تام الساعة السادسة مساء في الطرف الجنوبي من ساحة أمونيا سكوير .
سار سامي في طريقه دون أن يسأل منى عن وجهة سيرها ، فقد كان هو حريصا على رؤية الآثار اليونانية القديمة ، خاصة تلك التي تعلقت في الروابي القريبة من مركز المدينة وبعد أن أمضى فيها ساعات عاد ليلتقي بصديق له تركه وراءه في أحد الفنادق ، ومن هذا الفندق انطلقا الى مكان اللقاء الذي حددته منى من قبل .
الشمس جانحة للغروب ، والشوارع التي تتراكض نحو تلك الساحة تعكس أشعتها بقوة حيث  تمنع البصر من أن يمتد طويلا ، ولكن مع ذلك فقد شاهد سامي من على مقربة ثلاث فتيات يقفن في المكان المحدد مع فتى واحد ، هو ابن عم أحلام .
كان المؤمل أن يسير الجميع الى مقهى ما يمضون فيها بعض ساعات يعيدون فيها ذكريات أيام الدراسة التي فرت سراعا ، ولكن الأمر انقلب الى حالة من وجوم سيطرت على الوجوه بعد أن استبد الغضب والانزعاج بمنى حين سألها سامي عن صديقة لها كانت لا تفارقها دوما ، ففي الصف كانت تجلس الى جانبها ، وفي ساحات تلك الكلية كانتا تتمشيان أو تجلسان معا.
- أرجو منك أن لا تسألني ثانية عنها .. أنا لا أريد أن أسمع عن الماضي شيئا !
- لكنني لم أقصد شيئا مما تتصورينه في سؤالي عنها أبدا ، فهي زميلتي وزوجة صديقي ، وكل ما كنت أطمح فيه هو معرفة مصيرها ومصير زوجها صديقي ، ولا شيء آخر.
كان سامي قد أدرك حالا أن سبب الغضب الذي استبد بمنى هو أنه كان على معرفة من خلال صديقتها تلك بعلاقة حب بينها وبين طالب وسيم الطلعة ، جميل الملابس ، أنيق الحذاء ، يدرس في كلية أخرى ، ولكنه كان بين الحين والآخر يزور صلاح خطيب صديقتها ، ويجلس معهما في حديقة الكلية لساعات مثلما كانت منى هي الأخرى تجلس معهم كذلك ، ومن هنا أعجبت منى بحامد صديق صلاح ، ولكن إعجابها ذلك كان منصبا على ملابسه الجميلة وحذائه البديع المستورد من فرنسا على ما يظهر ، وذات يوم سأل سامي صديقه صلاح عن السبب الذي جعل منى تتعشق طالبا من خارج الكلية وليس من الطلبة الذين تدرس معهم .
- هي تعلقت بحذائه ، فكثير ما كانت تقول لخطيبتي : انظري الى حذائه كم هو رائع وجميل ؟
- أتقول صدقا !؟ رد سامي مندهشا .
- نعم . هذا ما كانت تقوله لخطيبتي صراحة .
لقد كان سامي يدرك أن حامد لم يحب منى أبدا ، فهو مشغول بأمر خطير كان يصرف معظم وقته عليه ، ويبدو أنه لم يوصد بابه بوجه منى حين طرقته عليه عطفا عليها ، أو ربما كان يريد تمضية بعض الوقت معها ، فحامد يخوض غمار معركة كفاح مسلح ، ولهذا فقد كان يخفي تحت قميصه مسدسا معدا لإطلاق النار في أية لحظة بقدر ما هو معرضا للموت في أية لحظة كذلك ، فلقد كانت أجهزة الأمن وشرطة تطارد أعضاء التنظيم الذي ينتسب له هو خاصة بعد تصاعد نيران الكفاح في أهوار الجنوب ، ففتى مثل حامد قد استبد به حب العمل السياسي ، حب الثورة والكفاح كثر من أن يستبد به حب فتاة تعشقته لحذائه الجميل ، وربما كان هو يعرف مبعث هذا الحب عندها .
لقد كانت منى من دون كل الطالبات مغرمة بكل شيء شاذ من الملابس والأحذية وحتى الحلي ، وهذا ما كان يثير استغراب الطلبة والطالبات على حد سواء ، ولكن ظل هناك سؤال معلق على شفاه الجميع دون أن يجد له إجابة : من أين تأتي منى بهذه الشواذ ؟
يبدو أن حبها المفرط للشواذ تلك هو الذي انسجم تماما مع حبها لملابس حامد الغريبة الفصال والصنعة ، مثلما انسجم مع حبها لحذائه الذي لم يحتذ ِمثله طالب من الطلاب الذين كانت منى تدرس معهم ، فحامد على ما يظهر كان يأتي بملابسه وأحذيته عن طريق أقرباء له من خارج البلد ، ومن هنا اكتسبت تلك الملابس والأحذية صفة الشذوذ التي كانت تنشدها منى وتريدها لرجل تطمح في أن يكون لها زوج رغم علمها بأن هذا الزوج مشغول عنها بحب الثورة والكفاح ذلك الحب الذي ذاب فيه فسقط شهيدا تاركا وراءه فتاة تعلقت غراما بإناقته وإناقة حذائه ، ولكنها بعد فقدانها له قررت أن تنشد اللذة بحرية تامة ، وفي أي بلد تريد حتى لو كان ذلك البلد غريبا عليها في كل شيء مثل اليونان ، وهذا ما قالته صراحة لزميلها سامي حين ردت غاضبة عن سؤاله ذاك ، والذي ما كان يقصد به أبدا أن يعود بها الى الماضي حين سألها عن صديقتها ، ولهذا حاول هو أن يهدأ من غضبها قائلا :
- إذا كان سؤالي قد أغضبك - يا منى - ! رغم برأته فأنني سأسحبه أمام الجميع هنا !
لكن يبدو أن السؤال ذاك قد أعادها الى دروب الماضي الجميل ، تلك الدروب التي لم تستطع كل دروب أثنا المتشابكة والمتقاطعة أن تحجب عن فكرها صورة دروب محلة الوزيرة الهادئة التي عرفت خطاها ، وخطا حامد ، وهما يسيران فيها سوية أيام كانت هي تتعشقه لجمال حذائه ، وكان هو يتعشقها تمضية لساعات فراغه .
= = = = = = = = = = =
* قصة قصيرة .



غير متصل هبة هاني

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 785
  • الجنس: أنثى
  • انا عراقية الوجع
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: دونما حب*
« رد #1 في: 08:12 16/06/2009 »
لحظات من الحب من الوجع من الذكريات ومن الحاضر وايضا من المستقبل
تركيبة قصصية انسانية رائعة

تمنياتي بمزيد من الابداع
هبة هاني
للتواصل مع الشاعرة عبر الفيس بوك او الماسنجر او البريد الاليكتروني
اضف: hiba_hani@yahoo.com

غير متصل alashoty10

  • اداري منتديات
  • عضو مميز متقدم
  • *
  • مشاركة: 13200
  • الجنس: ذكر
  • ليس كل مايلمع ذهب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: دونما حب*
« رد #2 في: 12:54 25/06/2009 »
كلالالالام رائع


عاشت الانامل 


يسلموووووووووووو



                                    alashoty10


على خدود المرايا تمشط الحلوات
وعلى خدودك شعرها تمشط المرايا

غير متصل Enhaa Yousuf

  • مشرف
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1703
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • http://www.enhaasefo.com/
رد: دونما حب*
« رد #3 في: 17:36 25/06/2009 »

مات حامد
ولم يمت الحب في قلب منى
هذا الحب الذي عاشته دونما حب ..!
العزيزة سهر
طرح جميل وشفاف
تحية لك من القلب
اختك انهاء