المحرر موضوع: صوب الملكوت تطير العصافير  (زيارة 1530 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1471
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
صوب الملكوت تطير العصافير
( بين آلية القراءة وإشكالية التلقي)
                                                                          جبو بهنام

بعد مجموعته الشعرية رحيل المدارات اصدر الشاعر سمير خوراني مجموعته الشعرية الجديدة صوب الملكوت تطير العصافير عن جمعية الثقافة الكلدانية 2005 كتب قصائدها ما بين عام 1991-2003 ضمت عدداً من القصائد القصيرة والطويلة كتبها الشاعر في فترة تنفس فيها الصعداء فلاسيول تجرف ما زرع ولا طوفان يغرق الأخضر مع اليابس هكذا كانت التساؤلات استعادة  لمحنة دقيقة في دقيقة وهي عملية اصطياد الذكريات المرهفه التي حملها مثل كتاب نقش عليه ما حدث وما يحدث من آلام ومتاعب ومشقات تدخل حياة الإنسان منذ الولادة ولن تفارقه حتى الممات. لا بل إن الإنسان يعيش موتوراً في بنية هزيلة , وجهه كالطيف في التنظير والتطبيق وفي النهاية يرضخ للاستسلام  وحتى في المنطق الأيديولوجي رافعاً شعاره الشمولي والثابت بعيداًُ عن ميدان المعرفة .(امكتوبة علينا الاحزان / منذ ولدنا / انحن اشرار كيف يقتص منا الزمان/ كل العواصف تهب علينا/ وتحطم لنا الأغصان/ كل السيول تجتاحنا/ والسيل إذا طغى/ صار... فيضان) ص9.
   إذا القلب مات فلا إرادة للإنسان سوى الشر, ولان الشاعر مطحون وحامل للهموم يصور ان الحياة تنضح بالأحزان وتنمو ملحمتها تاريخياً من خلال فضح الواقع السياسي السابق وما كان يرسمه من ملامح مأساوية يعيشها الإنسان وهو الآن يرهف بولادة جديدة ولادة متفجرة من تاريخ سابق مؤلم ومن أسواط اسكبها الغرباء في صدورنا وحيث ان هذا الوجع يتمدد ليصبح الشاعر ذلك الإنسان الصغير الذي لا ذنب له فجلدوه بالسياط وعلقوه على الخشبة. أصداء الحزن لدى الشاعر فيها امتدادات في عمق قلبه. الوجع يتمدد في ذاكرته القصية, حتى يصبح رمزا لدى سمير خوراني تنتابه الشفافية ويشف فيها حتى المباشرة. فهو يوظف التاريخ ليكشف عن مأساة السيد المسيح انه يستحضر التاريخ ويسقطه على واقعه بكل مهارة وتقنيه (أهانوني/ لأني كسيتهم بروحي/ من ثيابي جردوني/ لاني ملكتهم بالمجد/ بتاج الشوك كللوني/ لاني مارضيتهم بسوء/ مراً اذاقوني/ لاني ما رفعت سيفاً/ بالسياط جلدوني/ على خشبتين علقوني/ لاني كنت المسيح / لهذا صلبوني) ص14. الشاعر في قصيدته (نحن) قد يذكرني في مجموعة الشاعر صلاح نيازي( نحن أناس من البصرة) تأخذ نفس القصيدة ومنحاها حيث تتداخل الصور والمعاني والاحاسيس. إن الشاعر يتجه إلى خطاب فلسفي من خلال التشخيص والتجسيم وتحويل المعاني الى محسوسات (نحن اناس من غير افعال/ نكتفي بتقديم النوايا/ واذ أنصحك احداً/ تنفجر بوجهه شظايا/ لا تستغربوا/ فنحن للتهديد بغايا/ والتكلم عن الناس شراً/ طبيعة فينا وهواية)ص 21. وللغربة طعم التية انها شبه مطلق في كل العوالم. والغربة عن الوطن تيه وضياع اخر.لكن الشاعرترك مجالاً للقاء من خلال فكرة الأمل والتفاؤل والتجديد(ايرتجى الحب في ارض غريبة/ ومن بلادي اسمع اغنية الحقول/ تكاد تشق قلبي/ تعال يا بني / اضمك الى حضني/ فصدري دافئ/ واسقيك من عيني)ص24.
   وللحرية طعم اخر في قلب الشاعر, انه ذلك المجاهد في سبيل وطنه ان يصعد من ذلك الملائ ليظهر من قلب التربة ويعبر الحدود والحواجز متحدياً كل الصعاب كلف بأن يتحرر حتى ولو ادى ذلك الى استشهاده , فالحب من اجل الوطن اقصى غاية الجود. فهو المترجم لحقيقة الوجود (لا تجسي نبضه/ فهو لن يعود/ فهو نائم بلا قعود/ قلبه الشاعر ينزف دماً/ روحه تخترق الحواجز/ كتب تاريخه بحبر احمر/ وسطر في القلوب كلمته/ لا تنوحي عليه/ فقد اختار عاماً جديداً/ لا تكلميه/ لا تناديه/ انه الان.... شهيد) ص25.
   والحب له نصيب في قصائد الشاعر انه جسد مادي يحب,يتألم, يحزن, يتأئر بأي عامل من عوامل الطبيعة الميثولوجية. تغدو امثلة الشاعر تعبيراً عن قسوة الاحساس بالتجربة التي مرت بالوطن وما ولدت من فاجعة ورؤى مأساوية حزينة. بالأضافة الى حالة الاختلاط والتداخل الماثل في وعي الشاعر (هل فكرت لماذا تمطر السماء/ هل ادركت يوماً/ لما تنبت الارض الشجر/ لما تشتاح النهر السيول... لما يعود الربيع/ من اين سيكون الخبز والقوت/ لولا حبة الحنطة التي تموت/ لو علمت كل هذا/ حينها ستكوني اكيدة/ لماذا يتمخض) ص39.وفي قصيدة (صوب الملكوت تطير العصافير ) وهي مهداة إلى أطفال العراق الذين قضوا  بسبب الحصار. ان صدى النص ببعده التكويني شاهد حي ينطلق من روح التجربة الثورية لدى الشاعر مما جعل الكتابة واعية تعليميه وشعارا يطفح بالقلق والحيرة تجاه البراءة التي شقت  صدورهم من جراء الحصار (ينتحر الحلم الابيض/ يجري عبر نوافذ الزمن ليغتال البراءة على كل مبسم/ يجري حيث اللامنتهى/  عقابا وعذاباً من الهة تستريح/ وجواد يمزق بكارة الريح/ كالرمح يشق صدور العصافير/ كأن الموت الاكيد/ يحصد بقايا الارواح في اليوم الاخير) ص67.
   وفي قصائده (ترتيلة الجمعة الحزينة/ تعاليم خريفية على الناي/ طقس الدم والسنابل/ ترنيمة في شهر حزيران/ ثورة الحب / انها قصائد رثائية تدخل تجربة الشاعر الفكرية في شحن العلاقة بين رؤية الشاعر وموقفه من الشهادة. بقلق وتوتر وحيرة. وفي تعميق بعدها الدرامي النابع من دراما الحس الوجودي المسيطر على رؤياه الشاعر والذي يكون السؤال المؤثر في نفسه أبداً بما تحمل من دلالات في مضمونها وقلقها الماثل في معنى هذه العلاقة وهو يكرر القول (الام نموت في هوس بلا معنى) أهذا معنى الحب...!؟ يقول في قصيدته (ترنيمة في شهر حزيران) وهي مهداة الى روح اخيه شهرزاد (أخي... إن الحياة بعدك انين وصراخ/ ونواح وعويل/ وقلب قد شاخ/ كيف ارتضيت الرحيل العجال) ولك في الحياة بقية من سنين طوال/ أكنت على موعد مع الآجل/ ستمضي سريعاً دون وجل/ وتخلف وراءك برعماً/ ما سمعته يزمجر) ص79.
المجموعة تأخذ منحى نفس قصائدي واحد،فيها الكثير من الحزن والشفافية والرومانسية وفي محاولات للهبوط على ارض الواقع في قراءات مستقبليه لملامح ملحميه وتفجير لمكونات الماضي في محاولة لإضاءة واستشراق المستقبل. إن الشاعر سمير خوراي في مجموعته هذه يكشف عن شعوره الإنساني بشوق منهمر من أحاسيس وقسمات لها حضورها العذب في قلبه الحزين جرح كامن ومابين ضلوعه نكأه , فتدفق الدافئ المكبوت يروي لهفة القصائد , فانتظم الإحساس وتقاطر جوى واستضاء حنينا لهذا الوفاء  ناهلا من هذا الحزن  كلاما منسجم العبارة . فهو صادقاً كحبه وأحلامه ممزوجة بصورة الخيال وحرارة العاطفة
.