المحرر موضوع: من إصدارات دار (وحي الغري) للعلوم والثقافة والنشر سنابل ثقافية – طه عبد الوهاب الموسوي كاتب، وشاعر،  (زيارة 2700 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أدب

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 308
    • مشاهدة الملف الشخصي


من إصدارات دار (وحي الغري) للعلوم والثقافة والنشر
سنابل ثقافية –
طه عبد الوهاب الموسوي
كاتب، وشاعر، وناقد


جليل الخرزجي



قبل خمس سنوات وأكثر تعرفت به عن طريق الصديق عبد المحسن عبد الكريم الخفاجي، كان ذلك في دائرتهم والموسوي كان يشغل  منصب مدير مكتبات محافظة النجف الأشرف.
قدّم لي حينها ديوانه الشعري (نديم الروح) ليكون المحطة الأولى لصداقتنا الأدبية.
قرأت ديوانه، ثم كتبت عنه ونشرته في مجلة (وحي الغري) بعنوان (عند ضفاف شعر طه عبد الوهاب الموسوي).
الأهداء ....
عذراً يا سيد الوصف وعذراً لسليما وما عبثت بقلبك وحتى نديمك الذي أخلف بكأسه خمرة انضحها بداوة مثلك وسيزف موعد حضورك للحي العتيق وستستذكر كل أهاتك الجميلة التي كانت ترقص بين كلمات مقالتي بحقك أرجو قبولها مع ازاهيرك وعصافيرك التي كنت تغرّد معها.
لطه وهاب الموسوي موقع خاص به في الشعر العربي المعاصر وآراه يلتقي مع سواه في بعض المناحي ولكنه يتفرد عنهم جميعاً، بتكنية فنية ذات منزع جمالي صرف، فهو قديما يماثل سعيد عقل ونزار قباني أو أن سعيد عقل ونزار قباني يماثلوه في الغزلية والجمالية، لكنه لا يذهب مذهبه في الغلو حتى الإحالة والتعقيد، كما ان خياله وهو يخطر بفلذات وجدانية لكنه لا ينغرق فيها ... ولو تمعنا قصيدته (بحر الخيال) عندما قال في بدايتها:
يا بدر يا ذاك الوسام العالي
   
   يا ثغر أوزاني وبحر خيالي

يا حزمة الضوء التي انبعثت لها
   
   في منبع الآلام والآمال

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
نراه لا يذهب في الغلو حيث أن البدر عالياً ان كان يقصد به أحد أوجه القمر ونحن نعلم بأن الشعراء يتغزلون به في قصائدهم، وأعتبر ضوءه مصدراً معبراً عن آلام وآمال البشر خصوصاً ونحن شرقيون.
وطه الموسوي يتغنى بالفن كما يتغنى بالطبيعة لكنه لا يصاب بلعنة الحضارة ووتر المدينة والنكد والتمزق، فضلاً عن ذلك تنحى عباراته منحىً كلاسيكياً دون أن تتهجم تهجماً في الأدب القديم، لذلك نرى في شعره التجديد في كل معانيه وصوره، لكنه يسكب ذلك كله في قالب من الدقة والشفافية بحيث تنزل الألفاظ عليه وتـنبع من معين الذوق والحدس وهو في كل الأحوال أبو الجمالية النابضة بنبض الحياة وفي قصيدة (أم كلثوم) من ديوانه (نديم الروح) يقول في مطلعها:
ويقبل ليل ... ويمضي نهار

وأنت بحق حديث النجوم

وقمة فن ... لكل الليالي

وصوت يهدهد دوماً ببالي

ويكفي لصوتك ... هذا النعيم

هنا نرى تجسيد سراب المعاني، وأطياف المشاعر والأخيلة، دون أن تفرغ من مضمون الروح ومن وجيب النفس، أنها الجمالية والعالقة المتوازنة، يربطه تعاقب الليل والنهار بعيداً من الغلو الذي ذهب إليه الكثير من الشعراء ثم يعود لوصف أم كلثوم بقمة فن ... لكل الليالي.
أما في رثائه للدكتور مصطفى جواد حيث يقول:
ليال بعد غيبته تطول
   
   ووجه الشعر مسوّد ذهول

وقلب نابض بالحب يلقى
   
   أمام الشعر أفات تحول

وما زال الشعور يفيض مني
   
   قصائد لا تموت ولا تزول

ولكني فقدت حماة شعري
   
   ومن هُم في الألى عدد قليل

دعاني الناس أنظر ما تداعى
   
   من البنيان، مجد لا يزول

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
هنا أرى شاعرنا تطغى عليه هموم الجموع على هموم الذات وربما ألّم بقضايا عامة أخرى في دواوينه ولكن تبقى النفس البشرية تتعرف الى حب الذات كما وصفها (فرويد) وقصيدته المرثية تعبر عن وجود متفائل، متكاهل، متعادل، يكسوه الجمال، ويعبر خلالها عن وفائه للعلامة الراحل الخالد الدكتور مصطفى جواد، وللأسف الشديد نرى مقبرته مهملة غمرها النسيان والتي تقع في شارع كربلاء بداية مرآب النقل الداخلي للأحياء المقابل لمحطة تعبئة الوقود.
ويذهب الشاعر (طه الموسوي) الى آية الوجود الكبرى وفتنته الدائمة رمز جماله وعافيته وطمأنينته، ألا وهي سليمى، ولو نظرت في أمره من الحب لوجدته يطرح حيناً أشواقه ويبث نجواه والحب عنده قائم دائم، يسيل في نفسه كغدير رقراق يطغى حتى على المظاهر والعناصر، وهذا ما نراه في قصيدته التي هي بعنوان (قد كان ما كان) نقتطف منها هذه الأبيات:-
قد قرح البعد من اليوم اجفانا
   
   وزاد في جنبات القلب نيرانا

أما أحبتنا – شوقاً لطلعتهم
   
   ساروا وما تركوا فينا الذي كانا

قد رافقوا ربوات الناي أن لهم
   
   بين الضلوع تباريحاً وأشجانا

لما كتمت الهوى عن كل ذي حسد
   
   ما أوهب الوجد قلبي اليوم كتمانا

فاضت مدامعنا شوقاً لطلعتهم
   
   يكفي بهجرهم وجداً وحرمانا

قالت سليمى لماذا اليوم ينسانا
   
   ذاك الحبيب الذي قد كان يهوانا

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
لقد استخدم شاعرنا أدوات الغزل المستحدثة في قصيدته من معاني الرقة والرونق والجمال ويضيء من الداخل في الروح عندما تنفتح كواها على الكون وعلى ذاتها كما يبدو لي أن الموسوي متأثراً بالناي كونه يضيف الحزن على الموقف لأن بحة الناي الحزينة هي التي تؤثر على النفوس وإلا لماذا قال:-
قد رافقوا ربوات الناي أن لهم
   
   بين الضلوع تباريحاً وأشجانا

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
هذا من جانب ومن جانب آخر ليس باستطاعته كتمان هواه لأن السبب هو الوجد الذي لم يوهبه الكتمان.
فتلك الحبيبة التي سماها ونادها بقصيدته (يا سلماي) قد شغف بها الشاعر إذ لا حيلة له بها ولا سبيل ينصب في قوالب مجهزة ومعدة وأكثر من عتابه لها، أقول ربما انتحى نحو عمر بن أبي ربيعة جهاراً في الحوار والعتاب والأداء إذ لا يصف حبّه لفتاة نست العهد الذي يربطهما ونست ذلك الموعد قرب الضفاف وهذا ما أكده في نهاية قصيدته حيث قال:
 
أين الوفاء وما كنا لحسبكم
   
   تنسون عهداً رواه الحب أزمانا

بجانب البيت – سلمى – ذكر ملعبنا
   
   خنتم له العهد مهجورا وما خانا

إن شئتم يا سلم عن عمد
   
   فالنفس ما صبرت والقلب ما لانا

بيني وبينكم يا سلم موعدنا
   
   قرب الضفاف ولا ما كان قد كانا

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
أما قصيدته (المجد والافتخار) يذكرنا الشاعر بالحس الوطني أيام زمان عندما كان الشاعر بقصيدة يُقيل وزارة أو يهدم جزء من البرلمان أو يدفع الجماهير لمسيرات احتجاجية ضد السلطات الجائرة، ولو رجعنا الى عام 1967م نكسة حزيران على وجه التحديد نرى القصائد الوطنية والتي تحولت الى أناشيد وطنية تثير من حماس الجماهير العربية مثل قصيدة فلسطين ودعاء الشرق التي تبدأ (أخي جاوز الظالمون المدى) ووطني الأكبر سمعناها من مجموعة الفنانين في مصر وكذلك (سيف فليشهر) أنشدت هذه القصيدة المطرية فيروز، والمارد العربي التي أنشدها الموسيقار الراحل فريد الأطرش، وقصيدة (فدائي) التي أجاد غناءها المطرب الراحل عبد الحليم وغيرهم من الفنانين التي أدوها على أحسن وجه، نرى من حقنا أن نفتخر بجيشنا الوطني وجيشنا العربي – وهُم يسطرون أروع الملاحم البطولية ضد العدو الغاشم لأنهم رفعوا هاماتنا عالياً، وقصيدة (المجد والافتخار)، جاءت على هذا النمط حيث قال:
يا زنوداً .....   
   رفعت للمجد هامات لوانا
تتحدى وقفة الشمس   
   بعز النفس ... شوقاً
لهتافات ربانا   


ثم يقفز الشاعر ليتناول وطني العربي بقوله:
عند سيناء تركت من دموعي ألف
فرحة
ألف بشرى
ألف تشرين بفرحة
وتضمخت من الجولان جرحه
انني أهتف للجيش الذي عاد أبياً
حمل النصر وغنى
عند وجه المجد ليا
مرحباً يا جيشنا العائد بالنصر ..
ويا جيش العروبة
ببريق الشمس عدت
وبنصر الله فزت
فزت يا جيش العروبة

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
ويبقى الموسوي وأنت تقع في شعره هنا وهناك محط التساؤل والبراءة.لأن جميع قصائده، تتسم بسمة العبارة المتألقة على براعته في أداء المعنى المتكامل.
وبعد فإني أراه وحبيبته قانعان بقسمة الحياة، لا يعزوهما إزائها نكد أو حقد وهذا ما لمسته في قصيدته (خذيني) عندما يقول:
خذيني لوعة من حر نار الشوق   
ضميني بعينيك    
وحبيني إذا ما نجمتي سهرت ..   
على رنة الحاني   
على شلال شعرك ....    
فوق جبينك الفضي منثورا   
خذني ....    
بسمة في الليل   
تسري عند مسراك ...
   

فهذا النوع من الشعر أرى وكأنما الشاعر كان مقسماً عبر التجربة، بين أقطاب كثيرة، مما لم يدع الخلق ينفذ في منافذه، وفي غزله تقع على شيء، مرة تكتشف وجوديته الجمالية من خلال قصائده ومرة تتوهج وتتأجج وتخلب وتطرب ومرة تتعاطف مع خلجاته وآلامه على أفق الخيال الروحي الشفاف دون أن تتكشف أسراره وكأنّ الشاعر له دراسة في علم النفس في نظم قصائده.
فقصيدة (خذيني) جعلتني اصف شاعرنا الموسوي بالرومانسي الهارب من لعنة المجتمع وجحيم الحياة وفق ما جاء بخاتمة القصيدة تحلق كالعصافير/ وتهمس كالأزاهير.
ويبقى شعره دائماً مهما تقدم هو شعر العافية والتعادل أو الانفعال يخفق فيه لا يثبت به ولا يتمادى أو يتعقد ويريد أن ينفذ من خلال كلماته الشعرية الى الإتحاد بالحقيقة وهذا ما جاء في قصيدته حيث طلب من حبيبته وقال:
  
فضميني لأدفأ من عذاب الشوق
في أقصى حنانيك
كطفل عله الاجهاد للغفوة
كطفل يبتغي من أمه غنوه
لعلي والنسيم الرائح الغادي
أكون وأنت في واد
نحلق كالعصافير
ونهمس كالأزاهير

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
ثم أن لموضوعات العشق آفة كبرى في شعر الموسوي لها جمالها الخاص وان تجربته تنمّ عن معاناة تبدعه وتطلعه من جديد، وقد يكون كمرحلة في تجربة عامة مكتشفاً الرموز الوجودية كرمز الحياة المتجددة أو كظاهرة من مظاهر الخير أو أن يستدعي في النفس عاطفة الحب، فعندما يطلب من حبيبته أن تكتب له كي يسترد الروح في جسمه المعذب وتزول كل آهاته نرى معذبته تعنى بذاتها أكثر مما تعنى بحبيبها – إذن هي ليست حبيبة وجودية بل وجدانية.
تراها قائمة في شعره في الوقت الذي يرى كتاباتها هي لغة الروح من جهة وغذاءه من جهة أخرى كما يؤكد شاعرنا بأنها أعز الناس ووجه اعترافه وهذا ما سنلاحظه من خلال قراءتنا لقصيدته بعنوان (المكتوب) والتي نظمها في عام 1978م.
            (المكتوب)
اكتبي .... اكتبي ..

تستردي الروح في جسمي المعذب

وستنضب ....
كل آهاتي التي بالأمس كانت تتوثب ..
وعلى ضوء المداد الأخضر ... الممزوج
في روحي سأكتب ....
كل حرف في كتاباتي سيعتب ....
*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
اكتبي .... فكتاباتك باتت لغة الروح
وباتت لي غذائي
وأنا العاشق للحرف الذي
من وسع عينيك سترويه الليالي
وسمائي ....
كلها بعدك نجم خافت الأضواء
اكتبي ....
تستردي فيك الى المجهول
يا وجه أعترافي
سألاقيك غداً ....
في وطن أخضر التاريخ
ينبوعاً من الطيب
مروجاً ناصع الأقبال
وحرفاً مترعاً بالحب ...
مسلوب القوافي
اكتبي .....
يا اعز الناس يا وجه اعترافي ....

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
فالموسوي ليس من أبناء الماضي وعندما ينظم قصيدة يضيف عليها أفكاراً واعية شارحاً مؤدّاها شرحاً شبه نثري فيه الحنين المقيم، وعندما يكتب عن المرأة فهو لا يتخطاها في شعره ويعتبرها رمزاً للمصير البشري لهذا كان لشعره طعم ونكهة خاصة فيه الجرح والأمة والصلاة والاعتراف والوفاء والعشق الحقيقي ففي قصيدة (ظمأ البدوي) رمز الى هيفاء بني عذرة وبني عذرة قبيلة مشهورة بالوفاء، فأعتبر هيفاء رمزاً للوفاء وجعل من ذلك البدوي يبث ويرسل حبه اليها والى ذلك الحب وخيمتها وحتى نجمة الليل فوق ذلك الحب العذري ثم أنتقل الى البدر الطالع الذي يهدي التائه في الصحراء وهذا يدل على تطرفه عن الحب العذري وأعتبر ذلك الحب مذبوحاً على صدر الأشواك وإذا بذلك الحب فجأة تحول الى دموع حب في يوم فراق وهنا بدأ التناقض عند البدوي حسب روايته حيث أعتبر ذلك الحب العذري سوى زيف ونفاق وإذا الهيفاء داخل الخيمة كانت بيع وشراء، والأحياء بانت بؤس وشقاء، هنا أنقلب تفاؤل البدوي في قصيدة الموسوي الى نظرة تشاؤم ولا أعلم هل هي ردود فعل البدوي تجاه حب هيفاء العذرية الذي بات بنظره سراب وأصبحت تلك المعالم جرداء ليبحث عن قطرة ماء، إذن لماذا ينتفض البدوي الى سيف يشهر ويستيقظ من تشاؤمه ويعترف بظمأه الى خيل تثير الأرض غباراً للنصر؟
وهنا يتدارك شاعرنا الموسوي موقف البدوي ليعيد له أمجاده وذكرياته بعد أن بكى وتفكر ووصل الموت من ظمأ النصر، وبعد ذلك الصبر بدأ البدوي العطشان الى الماء يطوي الأرض وينشر أحلامه راكباً ناقته حاملاً تأملاته باحثاً عن الماء وفجأة يتبين أن الحلم والماء ووجود الإنسان على الأرض سراب.
ولو قرأنا القصيدة لأطلعنا على ما ذهب إليه الشاعر:-
           - ظمأ البدوي –
البدوي الظمآن ..... الى الحب
الى هيفاء بني عذرة .....
الى الأحياء وظل الخيمة الى النجمة
في الليل
تعانقها نجمة
الى البدر الطالع يهدي التائه في
الصحراء
الى الحب المذبوح
على صدر الأشواك
الى دمعة حب في يوم فراق
فإذا البدوي كما يرويه لنا البدوي
سوى نزيف ونفاق
وإذا الهيفاء .... بظل الخيمة بيع
وشراء
وإذا الأحياء ..... بعينيه بؤس وشقاء
وإذا النجمة تلمع من وهج الشمس
وليس بريق النجمة إلا كذب ورياء
والبدر رآه البدوي معالم جرداء
والعشق (المعجون) برشفة حب ووفاء
أمسى داء
والحب المذبوح ....
رواه البدوي دماً من طعنته داء
ويظل البدوي ....
يبحث عن قطرة ماء
البدوي الظمآن ... الى سيف يشهر
الى خيل تنشر فوق الأرض
غباراً للنصر
أمجاد البدوي تعود إليه
يحملق في الذكرى
يبكي .... يتفكر
ويموت من ظمأ النصر ...
يموت من الصبر
البدوي العطشان الى الماء ...

يطوي أرضاً ... ينشر حلماً
يركب ناقته باحثاً عن أرض الماء
فإذا بالماء سراب
إذا بالحلم سراب
وإذا البدوي يرى إن وجود الإنسان على الأرض سراب

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
والموسوي لم يترك شيئاً في ديوانه إلا وتطرق إليه وهنا قصيدة (المنزل العتيق) التي نظمها في سنة 1970م يحن الى مسقط رأسه الى ذكريات الطفولة البريئة الى رفاقه وأحلامه السحيقة الى مرعى ايامه ولهوه وأنسه ولكن شاءت الظروف ان يترك المنزل والحي ورفاقه ويدع ذلك المكان الذي ترعرع فيه وترك أحلى بصمات عمره في تلك الفترة عندما كان صبياً ترك أحبابه وذكرياته وظل يحن ويتشوق اليه وينتظر النسيم الذي يمر على المنزل والحي ليشم رائحته كي يؤنس، ومن منا لا يحن الى مسقط رأسه حيث الذكريات الجميلة البريئة لذلك جاءت قصيدته (المنزل العتيق) واصفاً تلك الصور.
- البيت العتيق -
وداعاً أيها البيت العتيق
   
   فما زال لنا قلب رقيق

تذكرت الصبى لمّا تنائت
   
   بك الأيام والحلم السحيق

ففي مرعاك أيامي ولهوي
   
   أو أنسَ فيك مغدارها رشيق

لقد كنت الديار لنا ولكن
   
   صروف الدهر ما فتأت تعوق

وداعاً كلما مَرَّ علينا
   
   نسيم منك يؤنسنا، خفوق

ولهوي حيث أنت على طريقي
   
   وأيامي وحيث لها أشواق

فكم من متعة النزوات كنا
   
   يضارب وجهك الحاني فريق

وأنت كأن دمعك من ضباب
   
   وإذا ما الشمس تشرق لا يعوق

وتلك الأرض ما رحبت علينا
   
   وصدرك في رحابك لا يضيق

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
وعندما يتأمل الموسوي ويتذكر (أمس الشباب) ونحن نعلم –إنّ في الذكرى ألم وفي ألم الذكرى لذة – تقترن ذكراه بالحبيب والأماني الحالمات وليالي السهد وأمواج البحر المتلاطمة، فهل هذا يعني شاعرنا يمضي في الوهم؟ ولماذا يتغزل ويتندر ويتذكر؟ هل هو مفتون بلا فتنة، ومحب بلا لوعة يشاهد ولا يكابد يصنع تمثالاً ينحته اللفظ ويطرب لخلقه، ويرسم لوحة ويأنس لها؟ ولماذا يذهب الى الشمس لتشق ستار الليل فتنبلج معاني، ولماذا صاحَ القمر في ثغر حبيبه الذي تركه يلعب بالنار ولا يأبه للجمر وهل هما مخمورين بالحب؟ الذي كواهم.
وهل هذه معادلة الشعر أم اسميه انفعالاً في حدود المقارنة الواعية فاللوحة هي رمز الفنان كما أن الضوء عالجه شاعرنا معارضاً بينه وبين الظلام ومتغنياً به أو بفضله على الطبيعة والإنسان، وهذا ما كان واضحاً في قصيدته (أمس الشباب):
تحسست جراح الأمس
لا زالت كما كانت
نزيفاً كلما عدت الى الذكرى تذكرني
بماضٍ ما تلاشت فيه أحلام الشباب ...
وعينان
كأن البحر لم يهجرهما أبداً
ولا ... هدأت به الأمواج يوماً ... بعد
أعواد ولا تلك الأماني الحالمات .... ولا
النظرات
تضحكك دون وهم
بل تلاشت فيهما بعد ليال السهد
بعض الومضات ...
وابتسامات ... كأن الشمس قد شقت
ستار الليل .... فانبلجت معان
تباري كل ملهوف
وتروي كل ظمآن
وصاح القمر الطالع في ثغر حبيبي
آه ... يا ذاك الذي ما عاد يذكرنا
ونحسب أنه قد عاد ينسانا
آه من ذاك الذي يلعب بالنار  
ولا يأبه للجمر .. الذي فيه كوانا  
*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
يبدي لوحة فنان  
وأنثى تبتسم من همسات
وتذكرت وساعات تمر في خيالي
لحظات
أين شطآن الهوى الماضي ..
وأحلام حياتي
أين أوطان حبيبي
أين ما كنت أسميه حبيبي
كلما أمعنت في صورة أنثى
نضب الفنان في تصويرها
خطر الخاطر بالذكرى
لأيام جنوني وعذابي
كم أحب ريشة الفنان
ذاك العاشق الولهان في رسم حبيبي
أنه ينقلني اليوم الى عهد شبابي
*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *

ويبقى الموسوي جاعلاً من روحه زهرة بين أكف نديمه ليرويها حباً وشوقاً يسمو ويرتقي الى ذلك النديم الذي رافقه السهد حتى خيط الصبح، كما يعبر عن عدم بلوغه المنى رغم هواه السرمدي لنديمه ثم يعرج الى واقع اليوم الذي جعل منهم ضحايا وأختار أن يهاجر بعد أن علم للحب بقايا في روحه الهائمة، كذلك أحس الموسوي بافتقار الحديث الشجي وشوقه للقاء كي يحتفل معه سويا ليحطم اليأس رغم حيرته لكنه توجه بحب فوق حبه ولذلك ضمد جراحاته بالصبر بالرغم من عمق جروحه وظل يخاطب نديم الروح مرات ومرات ويطلب منه الإكثار من اللقاء وأن يمنح قلبه غراماً وهناءاًً وأن يحدث النفس لأنها واسعة كالسماء.
إذن هكذا هو الشاعر عندما يصل الى ذروة الإبداع في وصفه ويفضح الأسرار ويفشيها ويجود المعنى ويجسده أكان عتاباً أم طلباً أو صدوداً، وهذه النزعة التي ساقته الى التعبير عن الجوانب الحميمة في قصيدته (نديم الروح) جعلته في شعور المحبة وطلب الألفة مع نديمه، لأن الموسوي لم يقف موقف الرفض والتنكر لأي عرف من أعراف الحياة ولم يسفه مؤسساتها ولم ينتقض عليها.
فهو ليس كأبي العتاهية الذي كان يرى الناس يتناسلون للموت ويبتنون للهم والخراب، وليس كأبي العلاء الذي يدعو القوم الى قطع النسل لينقطع له سبل الشقاء المتدفق في العالم، بل عبّر في نهاية قصيدته عن سعة ورحابة صدره المغمور بلذة الحب والبقاء وحياة ملؤها غراماً وهناءاً وهذا ما سنراه في قصيدة (نديم الروح) التي نظمها عام 1973م.
يا نديم الروح ما لليوم لم أبلغ منايا
 
أنا أهواك نديمي وحبيبي وهنايا

يا نديمي نحن في واقعنا اليوم ضحايا

فلنهاجر ... لم يزل للحب في الروح بقايا

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
يا نديم الروح كالروح أحدثك مليا

بحب إفتقار لحديث لك يرويني شجيا

بي افتقار للقاء نحتفل فيه سويا
 
حطم اليأس فعندي لك كأساً أبديا

يا نديم الروح عقلي فيك يحتار وقلبي

أنت في عرشك توجتك حباً فوق حبي

ونديمي أنت حيث الناس في أنس وصحبي

يا نديمي عد الى كأسك واسقني بنخب

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
يا نديم الروح من روحي نداماي وروحي

من جروح ضمدت صبراً على عمق جروحي

يا نديمي أنت والصبر ينام في ضريح

قدر يهرأ بالروح فيا روحي بوحي

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
يا نديم الروح زدني كل يوم بلقاء

وأمنح القلب حياء وغراماً وهناء

وأبق جنبي يا نديمي لذة الحب بقاء

يا نديمي حدث النفس تراها كالسماء

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
مرة التقيت الشاعر الموسوي وتشكر مني لنشر الموضوع أعلاه، أعطاني موضوعاً آخر لنشره في مجلة (وحي الغري) قرأته جيداً وجدته مساجلة أدبية ونشرته حينها، وقد بدأ رسالته:
السيد رئيس تحرير مجلة (وحي الغري) المحترم.
 تحية طيبة
أحد الأيام كنت في زيارة لأحد الأصدقاء المهتمين بالكتابة والنشر وأطلعت على مقالة له تحت عنوان (ليس دفاعاً عن الشعر) رداً على مقالة نشرت في المجلات ودار الحديث حول أحقية الشعر العمودي أو الشعر الحر فوددت أن أعبر عن رأي في هذا المجال. آمل ان تنشر هذه الأبيات الشعرية على صفحات مجلتكم مع أمنياتي المخلصة لتبادل الآراء.
الى السيد عبد الجواد الحسيني مع الشكر
الشاعر: طه الموسوي
            - الشعر والشعراء-
مرفوضٌ شعرك هذا!
لا تعرف أن تكتب شعراً نثرا!
العصر تطور!
وأنت تردد ما قال الشعراءُ القدماء!
لا تعرف أن تكتب شعراً نثراً!
قلتُ، نعم!
حقيقٌ اني لا أكتب شعراً نثراً!
لكني أكتب شعراً حراً!
لكني أكتب شعراً شعراً!
فخيال الشاعر يستوعب صوراً
الصورة ألوان الطيف ترسم بحراً!
تسبر غور الإنسان
 وتبحر في جو الأزمان
لنهز الوجدان
أنا لا أعرف أن اكتب شعراً نثراً
بل أعرف أن أكتب شعراً شعراً !!
بل أكتب شعراً حراً !

*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
اني أعجبُ كيف يسمون الجدول بحراً
كل الصور المرسومة عبر التاريخ
تناولها الشعرُ
فليس الشعرُ بعاجز أن يخلقَ داراً
بل ذاك العاجزُ
من لا يقدر أن يكتب شعراً
العاجز من لا يبحر في البحر لكون
البحر له سحرَ
يمتلك السرا
والسحرُ بأن تكتب كلماتٍ ترسمُ
صوراً تترى من يعجزُ عن قول
الشعر
فأن لهُ أن يكتب نثرا
لا أن يدعي أن يكتب حتى نثرا !!
*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
فلماذا ترفضني يا صاح؟  
وأنا البحارُ
وأنت الواقف عند رصيف الكلمات!
فتعال أعلمك الملكات !
أجعلك تسيرُ مع الاحداث وعبر
العصر بما شاء
لكني لن أرفض قانوناً سطر فيه
التأريخُ
أصول الملكاتُ !!
ليكون الشعراء
سجل الأحداث على التاريخ !
لا يمكن للبحر الزاخر بالدر
بأن يصبح نهرا !!
فالبحر هو البحر !
وأنا لا أكتب إلا شعراً شعراً لا يمكن
لي أن أكتب شعراً نثراً
لا يمكن أن أجمع ضدين
وأغمض عيني لكي أكتب قهرا
*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
وعندما نشرت قصيدة الموسوي أعلاه، جاءني السيد عبد الجواد الحسيني وعاتبني على نشرها، قلتُ له: الموسوي ساجلك أدبياً، وشعراء النجف منذ القديم لهم مساجلات أدبية تمتد لسنوات مثل أحمد الهندي، والشيخ قاسم محي الدين التي امتدت مساجلاتهم لمدة (20) عاماً، والآن ساجله بقصيدة أخرى كما هو معمول في المجالس الأدبية ولكن السيد الحسيني امتعض وخرج من مقر المجلة بعيداً عن المهنية، ثم تهجم على مجلتنا (وحي الغري) في جريدة الولاء النجفية بكلمات نابية لا تتناسب مع أخلاقية الرسالة السامية للأدب.
واستمر الموسوي بنشر مواضيعه الأدبية في مجلة وحي الغري من قصائد شعرية ونقد أدبي وكذلك في مجال الأدب النسوي وتوثقت صداقتنا اكثر.
وكنت أزوره في مقر عمله بالدائرة وأحياناً التقيه في المدينة القديمة قرب شارع الرسول المؤدي الى الصحن الحيدري.
مؤلفاته:
من آثاره الأدبية كتاب (الشعر والشعراء في ميسان) وهو بجزئين أصدره عام 1993م في شهر آذار، تناول في الجزء الأول، هوامش تؤطر تاريخ الحركة الأدبية في ميسان، وبحثه هو مجمل صغير لتاريخ الشعر في ميسان، وهو إسهام فاعل في أسمها. لقد سلط الموسوي الضوء على تلك النخبة من الرجال الذين سطروا باقلامهم الاطار الذهبي الذي يمتزج مع كتب التاريخ تتحدث عن المدينة لتكتمل الصورة لدى القارئ الكريم. وكتابه هذا يتكون من ثلاثة فصول، تضمن الفصل الاول منه: الحالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية واختار خمسة عشر شاعراً يمثلون المراحل أعلاه من بينهم: أنور خليل، الشيخ عبد المنعم الفرطوسي، فرحان الكناني، محمد جواد المعمار، حسن الياسري وعبد الكريم النداوني ..... الخ.
أم الفصل الثاني يبدأ من تموز 1958م، المرحلة الأولى، والمرحلة الثانية، وشاعران، والنكسه، والشاعران هما: خليل رشيد، والشيخ الأنصاري. وتناول الفصل الثالث: الشعر الحديث، والشعر الوطني والقومي، والشعر الوجداني، والشعر الاجتماعي، والشعر المتعدد الأغراض، وشعر الحرب، وأختار (47) شاعراً منهم: حارث المطلبي، جبار حسين العلوان، حسب الشيخ جعفر، صبرية الحسو، صالح مهدي السامرائي، عبد الحسين المطلبي، عبد الجبار الساعدي، عبد الكريم السعيدي، عمران موسى الخطيب، علي كمونه، مالك المطلبي، محمد جواد الأعرجي.
ومن الشعراء الذين عاشوا في ميسان: عبد الرزاق عبد الواحد، لميعة عباس عمارة، صالح جواد الطعمة، عبد الامير معلة، عبد الجبار البصري، يحيى البطاط.
أم الجزء الثاني من كتابه (الشعر والشعراء في ميسان) جاء مختلفا عن الجزء الأول، ومكملاً له في نفس الوقت كما أشار الموسوي الى أن ما يتناوله الكتاب يعتمد بالدرجة الأساس على شهرة الشاعر ومدى تأثره في الحياة الثقافية في ميسان، كذلك نشاطه في ميادين الشعر، وتواصله في أداء هذا النشاط.
وقد أعتمد شاعرنا في عمله هذا ما نشر للشعراء من مجموعات شعرية مع بعضهم أو من خلال من لهم صلة بالشاعر حتى يكون الشاعر قد رحل عن الدنيا أو هاجر الى موطن آخر.
فكان همه الأكثر أن يبرز جانباً من نشاط محافظة ميسان بحيث لا يغادر أحداً دون الإشارة إليه.
كان قد تحدث عن حالة الشعر والشعراء منذ بداية القرن العشرين في الجزء الأول بصورة مفصلة، أما في الجزء الثاني يواصل ما بقي من ذلك القرن ولكن بصورة موجزة معتمداً ما نشر لهم بالصمت والمجلات المحلية بالإضافة الى تناوله وحديثه عن المجالس والبيوتات الأدبية التي كانت سائدة ومزدهرة في ذلك الزمن والتي كان لها أثراً فاعلاً في بروز العديد من أدباء المحافظة حيث كان أغلب أعلامها ينطلقون من تلكم الأجواء.
كان جُلّ إهتمامه أن يقدم عملاً يضيء به جانباً من جوانب مدينته العريقة لكي يطلع أبناء هذا الجيل والأجيال اللاحقة على رجال ونساء بنوا صرح القلعة الشعرية والأدبية فيها بآمال زاهرات لمستقبل زاهر عتيد وفاءً منه لميسان بلد الشعر والشعراء.
لقد جمع الموسوي في هذا الكتاب (الجزء الثاني) من الشعراء ما يبلغ تعدادهم (34) من سيرة مختصرة ونماذج من شعرهم.
ومن بين أولئك الشعراء: أمل عبد الحسين، جمال الهاشمي، خليل الزبيدي، رعد زامل، رعد شاكر السامرائي، رياض العطار، صلاح الأنصاري، صبيح القصاب، عبد الحسين بريسم، الشيخ عبد الرحمن السوداني، الشيخ علي الصغير، عبد الحسين زلزلة.
وقد أصدر الجزء الثاني عام 2000م.
ومن آثاره الجميلة كتاب (الذكريات الباقية) أحاديث عن المرأة، صور من النثر الفني... صور عن الواقع، تشكيلة وجدانية رائعة تحمل صوراً صريحة للمرأة والمجتمع.... لم يعتمد الموسوي على عذوبة الكلمة وعاطفتها قدر اعتماده على الصورة الموجودة في النصوص ...فهي حصيلة نتاج جماهيري صادق ذي محتوى يشدنا الى مطارحته، والكتاب احتوى على سبعة مواضيع هي: حوار مع امرأة، كلمات حب واحساس قلب، اعرف، المرأة ... والحب والرجل والمجتمع، هي والمجتمع ... الأسرار ... الخيانة ... الشخص، قصائد لفتاة مبتدئة، بين العيد والمرسال. إنه بحق كتاب جدير بالقراءة والاستمتاع به. صدر ببغداد عام 1998م.
4- ديوان (مرحباً ... أيها النديم) أصدره عام 1998م يتضمن (15) قصيدة، اخترت قصيدة (قصة حزينة) التي نظمها عام 1972م:
قرأت قصة حزينة  
جعلن من حروفها مقبرة لأدمعي
قرأت أن قيساً مات في سبيل من يحب
وأن حبه العذري
               قد أورثه الجنون
قرأت قصة حزينة
              بللّت من ماسأتها جفوني
                     وعدت أرتويها
بدأت أكره العذاب في الطبيعة
*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
5- ديوان (حيث يظمأ الأمل) صدر عام 2000م في بغداد وفيه (28) قصيدة، اخترنا قصيدة (دلال العربية):-
سوف أقسم: بدلال العربية  
لم أجد منذ وطأت أرض (روسيا)
دلالا ... كدلال العربية
جئت أستجمع أشتات جمال الغرب
            في كأس الحقيقة
فإذا الحلم سراب
وإذا الروح غريقة
لم أجد مثل الليالي العربية
مثل ميدان الرشيد
مثل بغداد ديارا
وليالي شهرزاد لتحاكي شهريار
حيث أحلامي ليال
وانتعاشاتي نهارا
لست أنسى من عراقي
من دياري العربية
العيون النرجسية
واللحاظ البابلية
والقدود السمهرية
والشفاه القرمزية
وابتسامات كفجر الصبح
تروني رويا
لم أجد في الغرب من ذلك شيئاً !
أنا لا أهوى جمالاً
                بادياً بين يديا
وقدود رجفت للبرد
ضاعت بين أوهام طريا
ضاعت بين أوهام طريا
أنا أهوى العربية
باقتحامي سور أبيات العشيرة
سور خيمات الصبايا
أنا أهوى الخيل والليل وسيف الحر
في أرض لها عمق الدهور
ودلال العربية
سوى أكفر بالذي يكفر فيها
فمحال أن ترى في الأرض دلا
كدلال العربية
نظمها في موسكو /1975م
*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
6- ديوان [الألوية الخضراء] اصدره في بغداد عام 1999م يتكون من (21) قصيدة، نأخذ منه قصيدة (الشجى):

- الشجى-
ما سألنا الزمان عما بلانا
      بل سألنا الفؤاد عَمّا شجانا

نحن قوم اذا سلكنا طريقاً
      نرفع الرأس شامخاً كلوانا

ندحر الدهر كلما داهمتنا
      نكبة منه في سمو علانا

ذاك عمر من الزمان مجيد
      وطريق من الخلود روانا

إنما نشتكي على من شجانا
      بهواه وغاب عنا زمانا

بعد بُعدٍ وغربة ودموع
      وحديث يدور حول هوانا

نحن بتنا على السهاد حيارى
      واستضفنا النهار حتى بكانا

قل لمن نام في ارتياد الليالي
      لم ننم بعدما الكرى قد جفانا

يا رفاقي وقد هجرنا دياراً
      ناظرات الرؤى تفيض حنانا

فأجمعوا الشوق باقة من ورودٍ
      وابعثوا الوجد عاطراً حيث كانا

يا رفاقي فهكذا الموت حباً
      في عيون تشوقت للقانا

نحن جئنا سيوفنا من حديد
      ونعود سيوفنا من أسانا

ما سألنا الزمان عما بلانا
      بل سألنا الفؤاد عما شجانا


نظمها في موسكو /8/11/1974م
*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *

7- وله ديوان (نور الهدى)
أصدره في النجف الاشرف عام 2010م، ويحتوي على (31) قصيدة. وديوانه هذا حسب وصفه بالمقدمة، انه لملمة قبل الرحيل ... واستعراض لقصائده المتناثرة في الزمن البعيد والقريب... ومواصلة بين الماضي والحاضر، بين الشباب والمشيب، عبر اختلاف المناهج والرؤى والوصول الى الحقيقة، لأن الهدى والنور لا يفترقان أبداً ... إبتدأ ديوانه بقصيدة
                 [عزَّ جارك]
جئتُ لمجاورةِ المعصوم أبي شُبَّر  
                  وتركت خلفي
ذكرى من أحلامِ شبابي
وتركتُ كُلَّ حطام الدنيا
كي أقدم ...
            وأُجاور
سيّدَ أيامي ... وإمامي
أُجاورُ رمزَ الخلق
                   وصوتُ الحق
ووجهُ الصدق
فالراقدُ جنبَ عليٍّ
            قد حققَ من دنياهُ عبادة
قالوا: أنتَ غريبٌ ..
تذهب لا تجدُ مَنْ يرحمْ
غربتكَ المرهونة باللوعةِ
قلتُ: مَنْ يسكنُ جنبَ علي
يستأنسُ بالنأيَ وبالغربة
جئت أُجاورُ ...
سيف الله ... ووصي الله
يكفي أن أنهضَ فجراً
أستنشق ريحاً ....
مرّتْ بضريحِ يعبقُ ....
                 مِنْ روحِ الله
يكفي أن أنظرَ قبتهُ الشاهقةُ الحمراء
يكفي أن أدخلَ ما شئتُ لحضرتهِ
أتنفسُ عطرَ الراحةِ ...
                  في جوٍ مِنْ ذكرِ الله
لا غربة في أرضٍ ...
                  فيها اسمُ الله
الغربةُ في الناس ....
              ولبس الغربةُ في جنبِ الله
*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
تركتُ الكلَّ وجاورتك
أملاً أن ألقى بعدَ ذهابِ العمر
بصيصاً مِنْ نورِ هدايته
ما أقدمني تلك البقعة ....
                          إلا هو
أرضٌ باركها الله
لا غربة فيمن يسكنُ جنبك
                       باب الله
حيّاً جاورتك !!!
كي أفنى جنبك
                وأذودُ بقربك
وأكونُ غداً ...
                 بعدَ رحيلي جارك !
ما أسعدَ حظي ...
عندَ حياتي ...
وبعدَ مماتي ...
يكتبُ لي ربي ...
أني جاركَ ..
ما شاء الله  !!!
*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
لا أخفي عن القارئ الكريم، بأنني أذرفت الدموع حين كتبتُ هذه القصيدة من ديوانه لدرجة صدقها لمشاعر وأحاسيس شاعرنا، وكأنه يعلم بأنه سيرحل عن هذه الدنيا بعد كتابته لهذه القصيدة، وفعلاً تحقق له ما كان يتنبأ بهِ ودُفن في مقبرة وادي السلام مجاوراً جدّه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
 *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *
وشاعرنا الموسوي ولد في مدينة العمارة في العام 1948م، وفيها أكمل دارسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، بعدها حصل على الدبلوم العالي في العلوم السياسية في موسكو عام 1975م.
كتب الشعر في العام 1964م وكان محباً للأدب والشعر فجمع لديه العديد من المصنفات الأدبية والشعرية وكذلك المعلومات الخاصة بالشعراء بما فيهم شعراء محافظة (ميسان).
كان لديه حضور متواصل في المهرجانات والاحتفالات الوطنية والأدبية والدينية، وهو من مؤسسي جمعية الأدباء والفنانين في محافظة ميسان، وحصل على الجائزة الأولى في الشعر في العام 1969م.
عمل في وزارات التربية والشباب والثقافة والإعلام والحكم المحلي، وعمل في الصحافة مندوباً لوكالة الأنباء العراقية في ميسان، كما عمل مراسلاً لجريدة الثورة العراقية.
تقاعد عن الوظيفة عام 1992م ليتفرغ للعمل الأدبي، ثم عاد الى العمل عام 2007م مديراً للمكتبات العامة في محافظة النجف الأشرف، وهو عضو إتحاد الادباء والكتّاب العراقيين، وعضو إتحاد الأدباء في النجف الأشرف، وعضو في بيت الشعر بالنجف.
وفي مساء يوم الجمعة 30/ صفر/1432 الموافق 4/2/2011م أخبرني الصديق عبد المحسن الخفاجي بنبأ موته ورحيله الى الرفيق الأعلى مخلفاً ورائه دواوينه الشعرية:
1- نديم الروح، 2- مرحباً أيها النديم، 3- الألوية الخضراء، 4- حيث يظمأ الأمل،
 5-الشعر والشعراء في ميسان (جزءان)، 6-الذكريات الباقية (أحاديث عن المرأة، والكثير من البحوث والمقالات التي نشرت في الصحف والمجلات.
لقد رحل بصمت تاركاً لنا الذكريات الأخوية الجميلة وبقايا من باقاياه الأدبية، تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه فسيح جناته ...
*  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *  *


غير متصل نادر البغـــدادي

  • عضو مميز متقدم
  • *******
  • مشاركة: 12144
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


   نشاط متميّـز  لموضوع رائــــــع , يســـــــتـحقّ كلّ تقدير .

       شكراً اخت " انهاء سيفو " لرفدنــا بـــهِ !

            خالص ودّنـــا وآعتـزازنـــا ...