المحرر موضوع: تداعيات الخيال بين الوعي المحاذر  (زيارة 1776 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أدب

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 308
    • مشاهدة الملف الشخصي



تداعيات الخيال بين الوعي المحاذر




ناهض الخياط


(الليل إلى الآن) المجموعة الشعرية الصادرة مؤخرا للشاعر زهير بهنام بردي عن دار  رند للطباعة والنشر في سوريا  أهو الظلام الحالم الذي تُسلمنا الشمس إليه وضجيجُ النهار، أم هو الرمز الشائع لمن يرمزون؟ لكن (إلى الآن) تقودنا دلالته عما يضمره الشاعر في قصائده، كما يقودنا إلى  مضمور ما لم يكشفه ظاهر إهدائه( إلى \ كل من تشبهني \ ب \ الهذيان – الفوضى – الجنون \إليك حتما)، وكأنه الأعتداد المبالغ بشاعريته، والرغبة في جذب الأنظار إليه. والشعر ليس هكذا، فهو إبداع عقل وروح، وموقف نبيل، مع ما يحققه لنا من متعة وفائدة، وهذا ما انطوت عليه قصائده،
 وبرؤيا الشعر الجميلة لا يمكننا أن نرى المرأة التي نحبها  مشوهة هكذا، بل كما وصفها في قصيدته (أنا سعيد بالكتابة) :
 لي في كل أنثى
كلام يتعطر
يتلوى في فنجان الليل
أوقد شمعتي
إلى نجمة
تتطيب
تأخذ حماما من السماء
 تمشي بأطراس الظلام ....
 تهذي بالكلام
فالليل عنده ما يرتشفه من كأسه لينعش لاوعيه(هذيانه) المتدفق كما يشاء. وهذا ما يُتهم به الشاعر أبدا حينما يقرر لوحده أن يفتح النهر على مياهنا الراكدة، وعلى من ينسخون الليل الذي يعشقه الشعر بليل آخر لا ينتهي، ليل مغلق في وحدة وظلام :
(مجرد مكان \ ظل \ فوق حائط الحياة)  ص11                     (الليل يجلس في باحة الدار\كرسي وحيد \ يشهق بالبرد) ص33
(دحرج فصوصا\ من الظلام  شطر رماد ساخن) ص72
لقد أدرك الشاعر(بردى) خطورة ما يفصح عنه وعيه الرافض لما يحاصره من واقع مشوه سودته أنظمة وحروب(مرت ثلاثة حروب \ما استطعت \ أن أشطب إلا أناي(ص21)..وما تواجهه من أخطارتهدد حياته وحريته، فلجأ إلى المفردة والصورة بدلالتيهما الغامضة والمعقدة، والرموز التاريخية والأسطورية النائية، لتكون له دريئة عن قراءات عدائية محتملة، ستقف طويلا عند كلامه دون أن تجد دليلا قويا وواضحا لأدانته، كما في قوله هذا :
الشمعة كم تبدو جميلة
هناك على حائط ضرير
تحت الماء
إياك أن تتوارى
خلف حسن مالح..(ص56)
هذه الصورة وأمثالها المشكلة من تداعيات خياله بين وعيه المحاذر وأعماقه الراسبة، كما تتوقف أيضا أمام عقدة دلالاته , وما وراء رموزه في عوالمها المختلفة الغاربة :
ويسقط منه ( نرام سين) مرتعشا
 من إصحاح شهادة مزورة..ص96
أخذني(آنو) معه  وفي قوله:(وتأسف كثيرا)..ص22
وكذلك في الماورائية برموزها الشريرة والخيرة :
(إبليس ظلام يتلبس أفول الضوء)..ص40
(لا عليك  الملائكة كلمات   تتساقط قبل الفجر)..ص115         غير أن الشاعر يخلع أحيانا عن قصائده دريئته الواقية، ويترك لشاعريته حرية التنفس بعيدا عن مخاوفه وكوابيسه مستشعرا جمال اللغة الصافية، تعبيرا عن حاجة الشاعر لمخاطبة أخيه الأنسان بوضوح في المشاعر الأنسانية المشتركة، كما في قصيدتيه (الملائكة كلمات)،  و(تحديق في البخت) حيث الليل الشاعري، إذ يسعد بخته بلقاء حبيبته، وليس الليل الذي يحيطه بجدران وحدته ووحشته :(لنخلق جوا ً من الليل \ لا نهدره \ ونرميه بعيدا\ عن أصابعنا \ سأسير إليك الليلة\مع سبق  إصرار منك) فأين ذلك الليل الموحش الطويل،
 وتلك التي تشبهه في جنونه وفوضاه وثرثرته، من هذه التي تصرعلى لقائه في ليل جميل. وكما في قصيدته (سطور سوداء فوق حائط ليل) : دع أخر كلام لغليون \ تسقط حلقاته البيضاء \ على سطور سوداء \ فوق حائط ليل) و(تأمل ْ مصباح الشارع مليا \ ضعه على صدرك \وامض ِ\ الورود ستنظر حتما إليك).
فمن يصدق أن الشاعر ينتهي إلى ما تحمد عقباه،.وقد خلع عن جسده المعفر بالجراح، كما خلع ما علق بذاكرتنا عنه وما ادعاه، وكأنه يقول لنا، إن الحياة ينبغي أن تعاش، مهما طال ليلنا، وارتبكت عقولنا، فالنهايةكما نراه في قصيدته الأخيرة حيث يقول :
القبرة على العمود
تبسط ريشها
والمطر بكثافة
يسدل ستائر المنزل
وهنا يلتقي الشاعر مع حبيبته فيقول :
بجموح نطلق حمامات الحرية و : المناقيرحمراء دائما
 والشفتان خبز وخمر
هذا ما فاجأنا به الشاعر، وكأنه يقول لنا : أنا( زهير بهنام بردى) خارج مجموعتي، أرجو معذرتي عما عانيتم منه في قصائدي لقد قابلنا الشاعر بالمعذرة، لأننا متأكدون من إقباله علينا غدا بديوان آخر، خارج ليله، ففي آخر الليل الصباح، حيث يدعونا لقراءته، متأملين في عنوانه، وأهدائه. وعسى أن ينالنا منه نصيب، وقد تسنت له دعوتنا بعد تعميده في مائه المقدس، وفي كتابته، كما يقول :
ولهذا يتسنى لي
أتكوم في الكتابة
أشيل التجاعيد
وجه العبارات
وأدعوك..يا القراءة !