المحرر موضوع: الحَسَـاسـية الوطنية والإقليمية للحكم الذاتي الكلداني الآشوري السرياني  (زيارة 1372 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل وسام كاكو

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 64
    • مشاهدة الملف الشخصي
الحَسَـاسـية الوطنية والإقليمية للحكم الذاتي الكلداني الآشوري السرياني
[/color]
بقلم: وســام كاكـو
شكلت، وما زالت، عملية ربط الهوية بالبقعة الجغرافية والإدارة الذاتية لمجموعة سكانية معينة هاجساً لدى الكثير من الأنظمة في العالم لأن الإدارة المركزية للدولة ترى في ذلك تفتيتاً أو منحاً لحقوق غير طبيعية لمجموعة سكانية على حساب أخرى داخل إطار جغرافي واحد أو إنتهاكاً لكرامة الدولة الواحدة المتماسكة أو تشكيكاً بديمقراطيتها ونظامها العدلي، وتثير مخاوف لدى الشعب الى حد ما ولدى الإدارة المركزية. وقد ينظر العرب الى هذا الموضوع بسوداوية أكبر من الآخرين بسبب إنهم ينظرون الى حالة فلسطين والولوج اليهودي فيها كمثال سلبي مليء بصور من التهجير والتشريد والدم والإعتداء والحروب، وهذا المثال يدفع بهم الى التعامل بقساوة وسوء نية مع كل ما يقترب من مفهوم الحكم الذاتي والإدارة الذاتية وتطبيقاتهما أو المطالبة بهما، وربما يُمثل الوضع الكردي الشبه مُستقل إدارياً عن العراق حالة فريدة في التاريخ المعاصر وحالة تُزيل الى حد ما السوداوية الملازمة للتفكير العربي عند تعاملها مع هذا الموضوع، فالحالة الكردية، التي قبلت بها أو خضعت لها أو باركتها الحكومة المركزية في العراق، والتي ناضل الأكراد في سبيلها عقوداً من الزمن أفرزت إنفتاحاً أكبر على المحيط الجغرافي المُلاصق والمجاور لها، كما إنه من الظلم مقارنتها مع أية كيانات أخرى في المنطقة لكونها تتميز بصفات من أهمها:
إنها لم تطرد أحداً من مكانه (عدا ربما حالات فردية هنا وهناك)، رغم إن هذا العمل مورس ضدها.
إنها تشلكت في بقعة جغرافية تسكنها أغلبية كردية فضلاً عن مكونات أخرى.
إنها لم تستولِ عنوة على ما ليس لها.
إنها فتحت المجال الى حد ما لإستقبال من ليس من ساكنيها التقليديين أو الأصليين.
إنها تعاملت بإنفتاح مُسالم مع الحالة العراقية الواحدة.
إنها، وإن كانت تُثير إعلامياً في بعض المناسبات رغبتها في الإنفصال عن الحالة العراقية إلا أنها لا ترى في ذلك فائدة ستراتيجية، لأنها بتمسكها بعراقيتها ستزيد من قوتها الستراتيجية والإقتصادية على الأقل في المدى المنظور.

وهناك صفات أخرى يمكن أن تملأ صفحات طويلة ولكنها ليست قريبة الصلة بمقالنا هذا.
إذن لا يمكن مقارنة الحالة الكردية في العراق بالحالة اليهودية في إسرائيل مثلاً أو بأية حالة أخرى، ومع هذا فإنها ليست بمنأى من الإنتقاد الذي يوجه إليها من هذا وذاك داخل العراق وخارجه كما إنه غالباً ما يُنظر إليها بتوجس من بعض الأطراف التي ترى في الإستقلالية الكردية النسبية في كردستان بداية طريق ربما للإستقلال الكامل أو للتفتيت في الدولة العراقية الوطنية الواحدة.
الظاهر للعيان إن الإنتقادات التي يُوجهها البعض الى الحالة الكردية لم تمنع من تشكيل منظومة إدارية وحكومية قوية ومتناسقة فيما بينها، وينعكس ذلك بشكل واضح على التقدم العمراني والإزدهار الإقتصادي الذي تشهده المنطقة، فضلاً عن كون الكم النوعي للديمقراطية التي تمارسها المنظومة الإدارية فيها حالة تُضاهي أو تفوق على ما حولها من الجوار أما بالنسبة لعموم العراق فلا مجال للمقارنة في ظل الظروف الحالية الشديدة الإرتباك والفوضى.
تشكل المنطقة الكردية في العراق الحالي منطقة فريدة في إمكانياتها على التعامل مع الفوضى الضاربة أطنابها في عموم العراق، وبمجرد أمتلاك الحكومة الكردية لإمكانية الحفاظ على سلامة مواطنيها وسكانها وتوفير هذا الكم النوعي من الديمقراطية فيها، فإنه عامل يُحسب لها ومقياس على مقدرتها على إدامة الأمور في حالة طبيعية في محيط لا شيء فيه طبيعي.
ما نود الوصول اليه من هذه المناقشة هو إنه حالة الحكم الذاتي أو الإدارة الذاتية ليست بالضرورة عبئاً على الحالة الموحدة وليست بالضرورة تقسيماً وإعتداءاً وتهجيراً لمكونات الشعب الواحد او للكيان الجغرافي الواحد بل يُمكن أن يُشكل الحكم الذاتي حالة شديدة الإيجابية والنجاح وإن كانت الحالة الكردية الناجحة قد برزت كأنموذج في ظل ظروف مُعقدة وما زالت قائمة في محيط مُعقد وحساس ومُرتبك فإن حالة الحكم الذاتي للشعب الكلداني الآشوري السرياني يُمكن أن تُضيف نجاحاً مُتميزاً الى الحالة الكردية إقليمياً والى الحالة العراقية وطنياً لأنها تنشأ في ظروف تطوَرَ فيه الفكر الإداري الذاتي في المنطقة الى حد ما، والحكم الذاتي لشعبنا لن يستند الى قاعدة طور الإنشاء مثلما كانت الحالة مع الأكراد وإنما يستند الى قاعدة متطورة وقوية وهي التجربة الكردية التي تمد يدها الآن الى قياديي وسياسيي شعبنا للإستفادة من تجربتها ولمساعدتهم فيها، وإن كانت الحكومة المركزية قد تعاملت بقبول وإيجابية مع الحالة الكردية فلا نرى إنها يُمكن أن تقبل بالتعامل بسلبية مع حالة الحكم الذاتي لشعبنا الكلداني الآشوري السرياني، لا سيما وإن حالة شعبنا المحدودة نسبياً لا تمتلك ذلك الطموح المُهّدِدْ للتركيبة الجغرافية والسياسية والإدارية للعراق الواحد المُوحد كما إنها، أيضاً، لا تمتلك ذلك الطموح المُعلن لبعض ناشطي إقليم كردستان والخاص بالإستقلال النسبي إو الكامل لأن الوجود الديمغرافي لشعبنا الكلداني الآشوري السرياني لا يمتلك تلك الأرجحية التي تؤهله لتصور الطموح الذي هو بمستوى الطموح الكردي. من جانب آخر نرى إن شعبنا يمتلك تميزاً نوعياً في مجال الإقتصاد والعلم لا سيما الجهد الذي يملكه شعبنا خارج العراق والذي يُمكن أن يُساهم، في حالة إقامة الحكم الذاتي، في تحريك المنطقة الى الأمام نسبياً، ولكن يبقى الخوف قائماً ليس من عدم القبول الإيجابي للحكومة المركزية للحكم الذاتي لشعبنا بل يأتي الخوف من هذا القلق والشك الذي يُعاني منه شعبنا الكلداني الآشوري السرياني نفسه وتنظيماتنا المكوناتية وناشطيه من صحة فكرة الحكم الذاتي ومن عدم إمكانية تنفيذها أو الخوف من أن يتم إبتلاعها من قبل هذا وذاك بعد أن يشتد عودها، وقبل كل هذا يتساءل البعض، كيف يُمكن أن نقبل بتركيز مُعظم أبناء شعبنا في بقعة واحدة وتقديمهم كقربان أو كهدف سهل لمن يُريد الإعتداء عليهم؟
إن شعبنا يُعاني منذ قرون من مشكلة إنه لم يستطع إدارة حالة خاصة به وإعتاد أن يتجانس مع بقية مكونات الشعب العراقي وهو مُستسلم منذ قرون لما يُخططه له الآخرون وليست لديه أيه رغبة في تحمل مسؤولية إدارة أيه منطقة لا بل إنه يبتعد بكل الوسائل حتى من القيام بإدارة مستقلة لأي مرفق من المرافق وهذا شعور (وممارسة) مُترسخ حتى لدى المُقيمين منذ فترة طويلة في الخارج فنادراً ما تراهم يتبوؤن مراكز إدارية هامة في الدول التي يُقيمون فيها لا بل إنهم حتى لا يُساهمون بفعالية في الإنتخابات التي تجري في البلدان التي يعيشون فيها.
المشكلة الثانية هي إن تنظيمات شعبنا ليست على درجة كبيرة من الكفاءة بحيث يُمكنها التعامل مع شعبنا كشعب واحد بل تتعامل معه كمكونات ثلاثة مُتقاربة او مُتباعدة إستناداً الى مباديء التنظيم وممارساته وهذه الحالة سبق وأن طرحناها ووجدنا إن أنسب حل لها هو وجود قائد يستطيع أن يتسامى في تعامله عن التقوقع في حالة المكون الواحد. إذا ما إستطاع شعبنا إن يتجاوز مشكلة المكونات فإن قدرته وقدرة تنظيماته على الإندفاع الى الأمام بإتجاه تحقيق الحكم الذاتي وإدارته بكفاءة ستشهد دعماً قوياً وتحقيقاً سريعا لأهداف شعبنا الكبيرة.
هاجس أن يبتلعنا الآخرون أو إننا سنكون هدفاً سهلاً لكي يضربنا العرب من الجنوب والأكراد من الشمال لا يبدو معقولاً على الأمد المنظور لأننا لن نُشكل تهديداً لأي طرف كان ولن تكون حالة الحكم الذاتي مُتقاطعة مع أي هدف أو مصلحة وطنية أو إقليمية، هذا من جانب ومن جانب آخر فإن الخسارة التي ألحقت بأبناء شعبنا في السنين الآخيرة في بغداد والموصل والبصرة تدفعنا الى التفكير بضرورة الحفاظ على حياة أبناء شعبنا من خلال جمعهم في منطقة أكثر أمناً، بمعنى إن حجة الخوف من ضرب أهلنا من قبل هذا وذاك لا خيار لنا فيها لأننا أساساً مُعرضون الى هذا التهديد في الظروف الحالية، وليتذكر أصحاب فكرة الخوف هذه ان البعض من أبناء شعبنا قُتلوا لمجرد إن رسومات كاريكاتيرية ظهرت في أوربا تطعن برموز إسلامية مُقدسة أو لمجرد أن البابا قال كلاماً فُسر بأنه مُسيء للإسلام، ولنتخيل كم من الرسومات يُمكن أن تظهر في العالم وكم من الأرواح يُمكن أن تُزهق وهل نحن نمتلك إمكانية تحمل كل هذه الخسائر أو نمتلك إمكانية ترويض من يرسموا أو ينشروا هذه الرسومات أو الخيوط الخارجية التي تفعل ما يُثير هذا وذاك؟ قصص عديدة نسمعها يومياً عن تهديد أو قتل المسيحي الفلاني أو إجباره على إعلان إسلامه أو تهديد الفتاة المسيحية الفلانية على عمل ما يُناسب فكر فلان وفلان. هذه حالات لا يُمكن أن ننكر وجودها كما إن تكرارها وشيوعها لا يُمكن أن يُعطياها الشرعية للدرجة التي تجعلنا نرضخ لها ونقبل بوجودها كحقيقة واقعية ضمن الظروف غير الطبيعية السائدة حالياً في العراق، كما إننا لا نمتلك إمكانية التعامل معها بفاعلية ونحن نُعاني من هذا التشتت والتبعثر في الواقع الجغرافي المترامي الأطراف نسبياً للعراق.
الحل الذي يُمكن أن يُوفر الأمن والسلام لشعبنا في ظل الظروف الحالية والمنظورة على الأمد القريب لا يُمكن أن يكون في إبقاء أبناء شعبنا تحت مطرقة هذا وذاك، لا بد من العمل على إيجاد منطقة خاصة يُمارس فيها أهلنا حقوقهم كمواطنين عراقيين أصليين، لقد خسـرنا الكثير من كنائسنا ورجال ديننا وأبناء شعبنا وكان الأمل قائماً لدينا من أن يتعطف علينا فلان أو فلان ليحمينا، ولكننا إستيقظنا على وهم، فالحقيقة إنه ليس بمقدور أحد أن يُوفر الحماية لنا في ظل الظروف الحالية وعلى حقيقة إننا في تناقص مُستمر يُمكن أن يختزلنا الى تماثيل في متاحف أوربا أو أميركا. ليس أمامنا خيار أفضل من الحكم الذاتي المُنسجم مع الحالة العراقية الواحدة، وإذا ما أثبت الأكراد نجاح حالتهم فإن الفشل في حالتنا يبدو ضعيفاً الى حد كبير خاصة مع الدعم الكردي القوي والمُعلن لها، ولا أرى إن هذه المنطقة يُمكن أن تُشكل كياناً غريباً أو شاذاً أو ولادة غير طبيعية في الوطن الواحد وفي ديمغرافية الشعب العراقي الواحد لأن منطقة الحكم الذاتي هذه ستكون لشعب عراقي أصيل وفي منطقة عراقية أصيلة.[/b][/font][/size]