المحرر موضوع: ما هي العبر التي استخلصناها من سلسلة كيف بنت الكنيسة الكاثوليكية الحضارة الغربية بأجزائها العشرة!  (زيارة 1103 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Catholic

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 200
  • St. Peter's Church, the mother of All churches
    • مشاهدة الملف الشخصي
ما هي العبر التي استخلصناها من سلسلة "كيف بنت الكنيسة الكاثوليكية الحضارة الغربية" بأجزائها العشرة!*


مقدمة:
خلال العشرة أجزاء السابقة، رأينا كيف بنت الكنيسة الكاثوليكية الحضارة الغربية. ولكن الى أين تتجه الحضارة الغربية الآن؟ وماذا بعد ذلك؟ وماذا يمكننا العمل حيال كل ذلك؟ لنقف للحظة وندقق النظر الى كل الأجزاء السابقة! انها رزمة مؤثرة حقاً للكاثوليك ليتشاركوا بها مع بعضهم البعض وأيضاً مع الآخرين.

الكنيسة والعلم:
لقد توقفنا قليلاُ أمام موضوع الكنيسة والعلم، حيث هنا بالذات تكمن أكثر الخرافات والمغالطات تجاه الكنيسة. ولكن على العكس من ذلك، نحن اليوم نرى مؤرخين محترفين معاصرين ومختصين بتاريخ العلوم يؤكدون بأن الكنيسة أدخلت للعالم فلسفات وأفكار حاسمة وأساسية جعلت من السهل للعلم أن ينشأ ويتطور داخلها. ان حقيقة نشوء وتطور العلوم داخل البيئة الكاثوليكية لم يكن محض صدفة! ولكن هو الواقع المنطقي المقبول الآن في الأوساط الأكاديمية.

الرهبان رواد العلم:
كما تحدثنا عن علماء كهنة عظام ممن لا زالت أسمائهم طي النسيان، ولكنهم أنجزوا الكثير من الامور العظيمة فيما يتعلق بالعلم. وكما أشرت الى ذلك في الأجزاء السابقة بالدور الذي قام به العلماء من الرهبنة اليسوعية، فهؤلاء العلماء الرهبان حققوا منجزات مذهلة ومدهشة في مختلف جوانب العلوم، ومع ذلك لا يوجد كتاب واحد يذكرهم!

الأعمال الخيرية:
ماذا عن الأعمال الخيرية؟ نحن نعرف بأن الكنيسة الكاثوليكية قامت بأعمال خيرية عظيمة. ولكن هل الكل يدرك فعلاً عظمة هذه المبادرات الخيرية؟ هل يدرك الناس مثلاً بأن العمل الخيري الذي كان تحت مظلة الكنيسة لم يكن له مثيل في العالم القديم اطلاقاً لا بالكمية ولا بالنوعية أو الروحانية التي اتسمت بها تلك الأعمال الخيرية؟

هذه الروحانية التي تركز على خير ومصلحة الآخر ومساعدته بمحبة ونقاء وبدون توقع أي شيء بالمقابل وبنكران ذات منقطع النظير، هذه الروحانية كانت فكرة ثورية حينها ولكننا اليوم نأخذ بها كبديهة وأمر مفروغ منه. فنحن عندما نسمع عن أحدهم قام بأعمال خيرية فاننا وبشكل تلقائي نتوقع بأنه عمل ذلك بدون مقابل وبدون مصالح شخصية. ولكن لماذا نفكر بهذه الطريقة؟ الجواب هو لأننا نعيش في حضارة لا زالت تحمل بقايا تأثير الكنيسة الكاثوليكة! فاذا كنا نعيش تحت تأثير الحضارة الاغريقية والرومانية القديمة، فلم نكن نتكمن من توقع مفهوم العمل الخيري بالمعنى الحالي. لذلك فالناس العاديين يستمرون الآن بالتفكير بالأعمال الخيرية ولكن بدون معرفتهم بالجذور الكاثوليكية لهذا المبدأ الانساني! ولهذا السبب يجب أن نبين ذلك بوضوح للجميع.

تأسيس نظام الجامعات:
ثم هنالك نظام الجامعات، من كان السبب بولادة نظام الجامعات في العصور الوسطى العليا؟ الجواب، الكنيسة الكاثوليكية. من شجّع ورعى ذلك ومن قام بحماية هذا الانجاز؟ ومن كان وراء النقاشات والجدالات العقلانية المنطقية التي حدثت داخل هذه الجامعات الأولية؟ بالطبع كانت الكنيسة. وفي الواقع، فان الكنيسة شجّعَتْ على طرح الأسئلة، حيث كان هنالك ثقة تامة بين المدارس الكاتدرائية في شارتر وغيرها أيضاً بأن الله لم يعطنا العقل للا شيء! ولكن كان القصد بأن نستعمل طبيعتنا العقلانية لفهم العالم من حولنا، فالالتجاء الى اللاهوت والمنطق معاً كان يؤدي الى الاجابة على جميع الأسئلة. وان تطبيق المنطق بشكل صحيح لن يخذلنا.

فكرة حقوق الانسان:
كما رأينا بأن فكرة الحقوق أيضاً أتنا من الكنيسة الكاثوليكية. هذه الفكرة كان ولفترة طويلة يُعتَقَد بأنها أتتنا من المفكرين العلمانيين في القرن السابع عشر. ولكننا رأينا بأن فكرة الحقوق بشكل عام والحقوق الطبيعية، كوننا بشر، خرجت من قلب الكنيسة الكاثوليكية في مجموعة قوانينها الكنسية في القرن الثاني عشر.

القانون الدولي:
كذلك وبنفس الطريقة رأينا بأن فكرة القانون الدولي، القريبة من فكرة حقوق الانسان، خرجت أيضاً من الكنيسة الكاثوليكية. ان فكرة القانون الدولي تقول بأنه لا يوجد بلد بحقوق أكثر من بلد آخر ولكنهم متساوون بالقيمة والكرامة والسيادة، بغض النظر اذا ما كن الحاكم للبلد كاثوليكي أو غير كاثوليكي. فاذا لم يكن للحاكم الغير كاثوليكي أي جريمة تُذكر، فلا يمكن تجريده من منصبه فقط لكونه غير كاثوليكي. وذلك لأن بلده – وبحسب القانون الدولي – يتمتع بنفس القيمة والكرامة والسيادة الذاتية التي يتمتع بها أي بلد كاثوليكي (بعكس ما يجري في باقي الديانات والمعتقدات!) فالقانون الدولي الذي ينص على ان هنالك قواعد أخلاقية تحكم جميع الدول وتعاملها مع بعضها البعض، وجد الأرض الخصبة للنشوء في داخل الكنيسة الكاثوليكية ومن قبل لاهوتييها ومفكريها الاسبان، أمثال فرانسيسكو دي فيتوريا وفرانسيسكو سواريز ودومينكو دي سوتو.

القانون المحلي:
حتى القانون المحلي بحد ذاته، قد خرج من الكنيسة ومجموعة قوانينها الكنسية حيث تم الاستفادة منه في كيفية تجميع قوانين وأوامر ادارية مختلفة في بوتقة واحدة منسجمة ومنسقة. وهذا ما حدث بالفعل مع نشوء الدول الاوروبية الغربية عندما أخذت قوانين الكنيسة كمثال لتكوين النظم والقوانين الغربية العصرية.

فكرة علم الاقتصاد:
ماذا عن علم الاقتصاد؟ حيث كان الاعتقاد السائد بأن الاقتصاد ظهر في القرن الثامن عشر مع علماء علمانيين. ولكن مرة اخرى هذا ليس ما يقوله المؤرخون المحترفون. في الخمسين سنة الأخيرة فان المؤرخين الذي يكتبون عن تاريخ الاقتصاد بدأوا يعترضون على فكرة ان آدم سميث هو من كان السبب بنشوء علم الاقتصاد. ولكن الفضل يعود الى ما يسمى بالعلماء والفلاسفة اللاهوتيين المتأخرين الاسبان.

أحد أعظم مؤرخي الاقتصاد جوزيف شيمبيتر Joseph Schumpeter كتب يقول، هؤلاء العلماء اللاهوتيون كانوا السبب بنشوء علم الاقتصاد. ولا زال المؤرخون المعاصرون بفضل الأبحاث الجديدة يكتشفون الأفكار والفلسفات الحاسمة لهؤلاء العلماء والتي أدت الى ظهور مبدأ الاقتصاد، ومن هؤلاء العلماء ريموند دي روفر Raymond de Roover وغيره الكثير.

اذن لماذا لا زلنا نعتقد بان آدم سميث Adam Smith هو من كان وراء فكرة الاقتصاد؟ السبب الأكبر هو بأن هؤلاء العلماء واللاهوتيين المتأخرين الاسبان لم يكتبوا كتاباً عن علم الاقتصاد بحد ذاته، ولكن الجزء الكبير مما كتبوه كان أبحاث ورسائل أخلاقية. ومن ضمن هذه الأخلاقيات أشاروا الى مواضيع اقتصادية وكيف يجب أن تكون المعاملات الاقتصادية خاضعة للقواعد الاخلاقية، ولم يكتبوا كتاب خاص بالاقتصاد لذلك كان من السهل أن يُغفَل عنها. أما السبب الآخر فكان بأن هؤلاء اللاهوتيون كتبوا باللغة اللاتينية ولهذا كان هذا الجزء منسياً. ولكننا الآن بتنا نعرف بأن الكاثوليك ساهموا بعلم الاقتصاد أيضاً... وهذا شيء مذهل!

الكنيسة الكاثوليكية ودستور الاتحاد الوروبي:
ولو وضعنا كل هذه الامور بحزمة واحدة – ونحن حتى لم نتحدث عن الفنون بأنواعها لأن هذا أمر مفروغ منه كلياً – فاننا نستنتج بأن الكاثوليك هم من بنوا الحضارة الغربية، نقطة ع السطر. ومع ذلك فان دستور الاتحاد الاوروبي، يرفض – متعمداً – أن يذكر أن دور للتراث الكاثوليكي الذي اصطبغت به الحضارة الاوروبية! فليس هنالك ولا كلمة واحدة عن هذا الدور الحساس والحيوي.

الدستور الاوروبي يبدأ وينتهي بذكر ان حضارتنا الحالية قد أتتنا من الحضارات القديمة من جهة (الاغريقية والرومانية) وعصر النهضة والتنوير من جهة اخرى، وما حدث بين هاتين الفترتين ليس هنالك أي ذكر لها! أنا متأكد بأنه ليس هنالك الآن ولا أي أبله يمكن أن يصدق ذلك مع كل هذه الادلة المتوفرة، ولكن هذا ما يُقال لنا من قبل الاتحاد الاوروبي.

ان هذا ليس ناتج عن جهل أو غباء، فالموظفون الموَكَّلون من قبل الاتحاد الوروبي لكتابة الدستور لا يمكن أن يكونوا بتلك الدرجة من الجهل والغباء، ولكن السبب هو العدائية المتواصلة ضد الكنيسة، وهذا نعرفه كلنا جيداً. والسبب في كونهم عدائيين للكنيسة هو حقيقة ان الكنيسة تلومهم وتوبخهم على طريقة حياتهم اللا-أخلاقية. فهم لا يحبذون بأن تعلّمهم الكنيسة أين الصح وأين الخطأ، ففي كل مرة يرون الكنيسة وتعليمها أمام أعينهم، يكون ذلك بمثابة توبيخ لهم، مما جعلهم يلغونها من حساباتهم ويمحو أي دور لها باهمالها وعدم اعطاءها حقها. ولكننا نحن الكاثوليك نرفض أن نهرب ونهمل هذا الجانب.

الفنون، الرسم، النحت وغيرها:
لنتكلم الآن عن موضوع الفنون باختصار. ربما ليس من العدل أن نصف الفن الحديث كله بالكارثي. ولكن هنالك فعلاً فرق واضح عندما نقارن حضارة تؤمن بالأشياء الغير المنظورة وما وراء الطبيعة، وحضارة اخرى لا تؤمن سوى بالأشياء المنظورة والمادية. لذلك فانه من الواضح بأن نوعية الفنون التي تجدها في هاتين الحضارتين ستختلف حتماً عن بعضهما البعض، حيث السؤال المطروح هو التالي:

هل كان من الممكن للفن الغوطي الذي يزين الكاتدرائيات والتماثيل بشكل عام، هل كان ممكن لهذا النوع من الفن أن ينمو في حضارة تؤمن فقط بالماديات والأشياء المنظورة؟ وأيضاً بنفس الطريقة هل كان ممكناً لكل أنواع الفنون البشعة والشائنة التي نراها حولنا هذه الأيام، هل كانت ستوجد في حضارة تؤمن بالامور الخارقة للطبيعة والغير منظورة؟

لأنك عندما تؤمن بالمادية البحتة، فانك تقول بأنه ليس هنالك أي معنى للحياة، فلو كان كل شيء مادي والمادة ليس لديها هدف فليس هنالك معنى لأي شيء في هذا الكون، وبالنتيجة فسيكون من سابع المستحيلات أن تترجم هذا اللامبالاة في الحياة الى شيء فني راقي، ونحن نرى نتائج هذه المادية.

في معارض كثيرة معاصرة للفن الحديث تتضمن حتى منافسات على جوائز كبيرة وقيّمة، حدث أكثر من مرة وبصورة متكررة، بأن الموظفون المسؤولون عن تنظيف قاعات المعارض يرمون البعض من اللوحات الفنية في سلات الزبالة مفترضين انها قمامة!! على ماذا يدل هذا الشيء؟ ولأي مرحلة من الحضارة وصلنا؟!

ما فائدة معرفتنا بالحقائق التاريخية:
كما قلت سابقاً، اذا لم ندافع نحن الكاثوليك عن أنفسنا، لا أحد سيقوم بذلك بدلاً عنا، نحن أصحاب حضارة مجيدة ولا زالت معاصرة. لقد صنعنا أعظم أعمال الفنون التي تنال اعجاب العالم أجمع. صحيح نحن لسنا كاثوليك لأننا نمتلك أعظم الفنون... نحن لسنا كاثوليك لأن الكنيسة أنشأت نظام الجامعات ورَعَتْها أو لأن الكنيسة شجعت وطورت العلوم. كل هذه أشياء عظيمة فعلاً، ولكننا لسنا كاثوليك بسبب كل ذلك. ومع ذلك فان هنالك فائدتين مهمتين من معرفة هذه الامور عن الكنيسة الكاثوليكية:

أولاً -   الكثير من الناس يؤمنون بالكثير من الامور السلبية تجاه الكنيسة. فاذا بَيَّنّا لهؤلاء بأنهم مخطئين وان أفكارهم مغلوطة بالدليل والبرهان، وان هذه السلبيات التي يؤمنون بها هي في الحقيقة خرافات وأكاذيب. عندئذ سنكون قد أزلنا عائقا كبيراً نحو اعادة النظر في الكنيسة وتعليمها. لذلك من المهم جداً أن يكون لدينا هذه المعرفة الغنية عن تاريخ الكنيسة ودورها حتى وان لم يكن ذلك السبب الرئيسي لكوننا كاثوليك، لأن هذا سيساعدنا كثيراً عند التعامل مع أشخاص لديهم آراء ونظرة مسبقة عميقة خاطئة تجاه الكنيسة.

ثانياً -   هذه الامور التي تعلّمناها وزادت معرفتنا بها، ستساعدنا لتثبيت ايماننا نحن أيضاً! وما أعنيه هنا بأننا نتوقع من كنيسة يسوع المسيح أن تحمل مثل هذه الثمار الدنيوية والزمنية. لأن الكنيسة اذا صدقَتْ بما تدّعيه عن حقيقتها بأنها عروس المسيح، ومؤسسة الهية فاننا نؤمن بشكل طبيعي بأنها تحمل ثماراً روحية، لا شك في ذلك، كالنعمة والأسرار وغيرها. ولكن هذا أيضاً يدفعنا الى الايمان بأنها تحمل أيضاً ثمار دنيوية زمنية عظيمة! وعندما نُثبت ذلك بالدليل والبرهان فان ذلك يساعد على تقوية ايماننا.

موقف كل من البابا بندكت السادس عشر والبابا يوحنا بولس الثاني من الفلسفة الاوروبية الجديدة:
الآن اذا نظرنا للحالة التي وصلت اليها الحضارة الغربية فهنالك على الأقل اثنين من البابوات السابقين قد تملكهم الحزن كثيراً جراء التعمد والتعنت في الاساءة الى الكنيسة أو اهمال دورها الحيوي والأساسي في بناء الحضارة الاوروبية.

"لا يمكنكم أن تُشَكِّلوا وتَبْنُوا بيت اوروبي مشترك وتهملون الهوية والتراث المسيحي لشعوب هذه القارة!"

هذا ما قاله مؤخراً البابا المتسقيل بندكت السادس عشر، فهو كان مهتماً جداً بهذا الموضوع عن كيف يمكننا اصلاح وتخليص اوروبا.

في أحدى زيارات البابا يوحنا بولس الثاني المتكررة الى بولندا قال التالي:

"الاستسلام للرغبات الجنسية بصورة استهلاكية، هي الفلسفة الاوروبية الجديدة التي يريد البعض أن نقبلها! ولكننا يجب أن لا نكون جزءاً من هذه الثقافة. نحن من بنينا اوروبا أكثر من أي شخص آخر يدّعي حقوق استثنائية وخاصة. ثم ما هي خصائص هؤلاء المتمسكين بهذه الفلسفة الجديدة؟ الحرية؟ أي نوع من الحرية؟ حرية قتل الأجنة في بطون امهاتهم؟! أخوتي أخواتي، أنا أعترض على هذه المفاهيم الجديدة للغرب، وهذه الرسالة يجب أن يصيح بها الكل بأعلى صوت من هذا البلد، بلد الشهداء... اوروبا تنتظر الخلاص، العالم يحتاج الى اوروبا مُخَلَّصَة!"

تجربتي الشخصية:
أنا عن نفسي متحول للايمان الكاثوليكي، وجزء كبير كان نتيجة للكثير من الدراسة في اللاهوت والكتاب المقدس والمنطق، وقد عرفت بأنني فعلت الصواب. ولكن هذا المشروع الذي قمت به بكتابة هذا الكتاب، كان بمثابة اثبات أو نوع آخر من التقوية للتحول الأولي. لقد جدّدّتُ كل الحماس الذي كان عندي أول مرة وأنا أدخل الكثلكة، فأنا كنت على علم بالكثير من هذا الامور نتيجة دراستي للتاريخ ولكن تعلمت أكثر مع استمراري في كتابة هذا الكتاب. فقلت لنفسي: نعم هذه هي المؤسسة التي أسسها يسوع المسيح! انظر الى كل هذه الثمار الروحية والزمنية!.

الآن، كيف ننشر كل هذا؟ المفتاح الرئيسي برأيي الشخصي هو بتثقيف أنفسنا أولاً وهذا يتضمن تثقيف الجيل التالي وذلك بادخال دروس رصينة وموثقة في التاريخ الكنسي لتُدَرَّس أما في البيت Home Schooling أو بالتعليم المسيحي في المدارس الكاثوليكية Catholic Schooling. هذا الأمر في غاية الأهمية ولا يمكن الاستغناء عنه اذا ما أردنا بناء جيل لديه من المعلومات ما يكفيه للدفاع عن ايمانه. عندها سيتمكن أطفالنا وبقوة من مواجهة أية بروباغندا وحملات ملحدة، ودحض كل الخرافات والمتأصلة بأذهان الناس.

الخلاصة:
والآن لنأتي الى استنتاجي الشخصي! وأعتذر مسبقاً عن صراحتي في هذه الخاتمة. أتذكر جيداً عندما كنت لوثري (أي مؤمن بتعليم لوثر) ولكن على حافة التحول للكثلكة، والناس بدأوا يرسلون لي كتباً يُبيّنون فيها لماذا البروتستانتية على خطأ والكثلكة هي الطريق الصحيح. أنا أقدر هذا المجهود، فقد كنت فعلاً بحاجة الى هذه الامور وكيف أناقش وأعترض على تعليم مارتن لوثر. ولكن ما حدث لي في نهاية المطاف بأنني عندما وصلت لنقطة أخذ القرار النهائي بأنني أريد أن أصبح كاثوليكي، وعلى حين غفلة رأيت هذه المؤسسة العظيمة الساحرة والعملاقة تحدق بوجهي، 2000 سنة من التقليد المقدس يحدق بوجهي!! بالرغم من انني كنت على علم بالبعض من انجازاتها من خلال دراستي للتاريخ في جامعة هارفرد وكولمبيا، ولكنني شعرت – وأرجو أن أُعذر على كلماتي هذه ولكنها الصراحة – بأنني غبي! وفكرت وسألت نفسي "كل هذه الفترة؟ وأنا عندي هذه المؤسسة المجيدة بثمارها العظيمة والأشياء المدهشة التي فعلتها للانسانية، وكل جمالها الأخّاذ الذي يحدق بوجهي، ولم أحتضنها وأتبنى تعليمها على الفور؟!" صراحة، شعرت بغباء شديد!

لم أكن بحاجة الى كتب تظهر لي بأنني كنت على خطأ في السابق. لأنني عرفت بأنه سيكون هنالك وقت كافي لدراسة هذه الامور. كل ما أردته في تلك الفترة الحرجة هو أن أتعلم الايمان! فقط  علّمني الايمان، أظهرْ لي ماذا تُعلّم الكنيسة، فهذا ما أردته. قرأت التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية عن طريق كهنة مقتدرين وقلت في نفسي، نعم هذا ما أريده في الوقت الحاضر وهذا ما أنا متعطش له أكثر من أي شيء آخر.

ان سبب ذكري لهذه الحادثة هو لانني تصادفت مؤخراً مع أحد الأصدقاء وهو بروتستانتي ولكنه أظهر لي ربما نيته بالدخول للكثلكة، وأول ما خطر ببالي هو نفس ما قام به الناس عندما أرسلوا لي الكتب ليبينوا بأنني على خطأ بكوني بروتستانتي. ولكنني تذكرت بأنه سيمر بنفس الشعور بالغباء الذي مريت به لعدم استجابتي واحتضاني للكنيسة طيلة هذه الفترة، هذه المؤسسة الأكثر جمالاً من أية مؤسسة اخرى في العالم. لذلك وبدلاً من أن أضعه في نفس موقفي وشعوري السابق، أرسلت له كتباً تشرح الايمان الكاثوليكي، ليتعرف على الايمان الكاثوليكي الصحيح، فهذا ما يجعل الناس تلتجئ للكثلكة بنهاية المطاف.

ولذلك وبعد كل هذه الفترة من تحوّلي للكثلكة فأنا لا أشعر بأنني غريب على هذه المؤسسة التي بنت اسس الحضارة التي أعيشها الآن، وبأن كل القديسين الذين عاشوا قبلي منذ 2000 سنة، والذين يزدرونهم أتباع تعليم مارتن لوثر، أصبحوا أصدقائي. أستطيع أن أصبح صديقاً مع القديس أنسلم، أو مع القديس توما الأكويني، لست الآن غريباً عنهم ولكن متحداً بشركة القديسين. هذا بالحقيقة كان له الأثر الأكبر لتحولي نحو الكثلكة.

الخاتمة:
وأخيراً أضع لكم أحد أكثر الأقوال المفضَّلة لدي وهي للقديس توماس مور:

"لا أحد، وهو على فراش الموت، ندمَ على كونه كاثوليكي... أبداً"

أليس هذا صحيحاً؟! أنا عارف بأنني أكتب لمجموعة من القراء الكاثوليك وغير الكاثوليك، ولكنني متأكد من صحة هذه المقولة.

على مر الأجزاء العشرة السابقة وبضمنها هذا الختام، فقد كان من دواعي سروري، وأنا أشعر بكرم عميق لأنكم قرأتم هذه المقالات وتكبدّتم وصرفتم الكثيرمن الوقت لها. آمل بأن البعض من هذه المواضيع التي قمنا بتغطيتها كانت مفيدة لكم وجعلت قضية الدفاع عن الايمان الكاثوليكي ربما أسهل قليلاً، وكذلك ساعَدَتْ على تثبيت أواصر المحبة التي تربطكم بالكنيسة الكاثوليكية أكثر من أي وقت مضى!

أتمنى لكم كل البركات الروحية والزمنية من الرب الاله، وفي الختام أقول لكم شكراً جزيلاً لمتابعتكم لي طيلة هذه الفترة، وربما سنلتقي يوماً ما في مناسبات أخرى ومواضيع اخرى في المستقبل. شكراً لمتابعتكم سلسلة (كيف بنت الكنيسة الكاثوليكية الحضارة الغربية)، أنا توماس وودز.


*هذه السلسلة من المقالات مأخوذة ومترجمة – بتصرف من كاتب هذه الأسطر – من كتاب للبروفيسور والمؤرخ المعاصر توماس وودز Thomas E. Woods وعنوانه:
كيف بنت الكنيسة الكاثوليكية الحضارة الغربية
How The Catholic Church built Western Civilization
وكذلك مأخوذة من برنامج كان قد عرض على شبكة EWTN الكاثوليكية العالمية للبروفيسور نفسه قبل عدة سنوات عن نفس الموضوع، حيث قمت بتسجيلها في ارشيفي الخاص وأرتأيت بأن أترجمها وأنشرها للمصلحة العامة... فقد آن أوانها.



غير متصل عبدالاحـد قلو

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1595
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
فهؤلاء العلماء الرهبان حققوا منجزات مذهلة ومدهشة في مختلف جوانب العلوم، ومع ذلك لا يوجد كتاب واحد يذكرهم!

اخذت هذه الفقرة من مقالتك والتي توضح بأن الذين تغنوا بالحضارة المدنية والذين اعتبروا انفسهم بانهم مخترعين  ومتطورين وحاملي الثورة الصناعية على اكتافهم وبالاخص في اوربا في  القرن الثامن عشر وصاعدا...فقد استغلوا نزاهة وطيبة رجال الدين الذين كانوا يعملون في الخفية وقبلهم..متبحرين في عمل ما لفائدة البشرية ومن مبدأ لا يريدون اجرا او كلمة شكر من احد..! وما عملوه يكفيهم بانه خير للبشرية ليس غير..!!
وعلى هذا الاساس ربما حصل نوع من طمس لجهود الذين كانوا الاوائل في معظم الاكتشافات والاختراعات من رجال الدين الكاثوليك ومنها لم يكن لهم كتاب يذكرهم..
شكرا على هذه الخلاصة اللبّة الرائعة لمقالاتك..تقبل تحيتي

عبدالاحد قلو

غير متصل فريد وردة

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 515
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

 المحترم  كاثوليك

 ألاخوة المتحاورون

 طبعا لا يخفي على أي متابع  ما تعرضت له  كنيستنا  على مر التاريخ  ؟  وما تتعرض له في أيامنا هذه  من  هجمات  من  عدة جهات  سواء كانت
 مذهبية  أو  اديان  أخرى  أو  ملحدين  أو  دوائر وأجندة  سياسية علمانية  وحتى على مستوى ألافراد ؟  في الخفاء و العلن ؟

 بالنسبة على مستوى ألافراد  !!  يكفي لآي متفحص لمواقعنا ألالكترونية   أن يلاحظ  هنالك عدة اشخاص محسوبين على كنيستنا  لكنهم  عبدة المادة المال  والمناصب ويتلونون بسرعة صاروخية عندما يشمون رائحة المال  ,  هؤلاء النفرات لا يتوقفون عن مهاجمة الكنيسة الكاثوليكية حتى وأن كانوا يناقشون موضوع يتعلق  بالمطبخ وألاكلات ومذاقها   ؟

 السؤال المهم

 هل هؤلاء المتلونين المأجورين ظهروا  عن طريق  الصدفة  ؟

 تحية طيبة

غير متصل صباح قيا

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1621
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

ألأخ Catholic
تحية ألمحبة
أحييك على هذه ألعبر ألمستخلصة من مسلسلك ألرائع وألمترجم بتصرف وبأسلوب شيق سلس لا يمل ألقارئ وأنا أحدهم من ألعودة إليه بين فترة وأخرى وهضم محتوياته ومعلوماته ألغزيرة .
بصمات ألكثلكة على ألحضارة ألغربية خاصة وعلى ألتطور ألعالمي عامة لا يمكن تجاهلها مهما حاول ألبعض . فعلى سبيل ألمثال لا الحصر ,  لا تزال تلك ألبصمات بارزة في أعرق وأشهر جامعتين في إنكلترا وهما جامعة أوكسفورد وجامعة كمبريدج , وألتي يحكي تاريخهما على لسان مسؤوليهما ألدور ألكبير للرهبان ورجال ألدين ألكاثوليك في تأسيسهما وإرساء دعائم ألعلم فيهما . شاهدت وسمعت ذلك شخصيَاَ عند حضوري مؤتمراً طبياَ في أوكسفورد .
هنالك ألكثير ممن إبتكر وأضاف  من ألعلوم ألمختلفة  ما خدمت ألبشرية ولا تزال تساهم في رقي ألإنسان وتقدمه  ومنهم كريكور مندل ونظريته ألوراثية, إسحق نيوتن  عالم ألرياضيات ألشهير, جوزيف موررَي ألحائز على جائزة نوبل في ألفسلجة , وألقائمة تطول .
تحياتي
                                  د. صباح قيّا

غير متصل Catholic

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 200
  • St. Peter's Church, the mother of All churches
    • مشاهدة الملف الشخصي
الأخ العزيز عبد الأحد قلو المحترم، تحية حارة...

شكراً لك على متابعتك ومداخلاتك القيمة على طول هذه السلسلة.

اقتباس "الذين تغنوا بالحضارة المدنية والذين اعتبروا انفسهم بانهم مخترعين  ومتطورين وحاملي الثورة الصناعية على اكتافهم وبالاخص في اوربا في  القرن الثامن عشر وصاعدا...فقد استغلوا نزاهة وطيبة رجال الدين الذين كانوا يعملون في الخفية وقبلهم..متبحرين في عمل ما لفائدة البشرية ومن مبدأ لا يريدون اجرا او كلمة شكر من احد..! وما عملوه يكفيهم بانه خير للبشرية ليس غير..!!" انتهى الاقتباس

لحسن الحظ فان هنالك من المؤرخين المعاصرين (كاثوليك وغير كاثوليك، لابل البعض منهم معادين للكثلكة بشكل كلي) ممن أرجعوا الفضل في نشوء الثورة الصناعية في اوروبا الى الرهبان الكاثوليك وبالتحديد روجر بيكن Roger Bacon، وهو شخصية معروفة في القرن الثالث عشر وكان راهباً فرنسيسكانياً ودرّس في جامعة أوكسفورد، حيث تم اعتباره المشكِّل والمكوِّن للثورة الصناعية في اوروبا! لماذا؟ لأنه ركز على الاختبار والملاحظة، وهذه هي المفاتيح الأساسية للعلم الحديث! ولكن هل سمع عامة الناس بهذا الراهب العظيم؟! لا أعتقد ذلك... في القرن الثالث عشر بالذات بدأت نواة الثورة الصناعية الغربية بالتشكل على يد رهبان الكنيسة. بالاضافة الى تأسيس الجامعات العريقة كاوكسفورد وكامبريدج والتي تجاوز عمرها الآن 800 سنة! ونحن لا زلنا نسمي هذا العصر زوراً وبهتاناً بـ(العصور المظلمة)... أليست هذه مفارقة تاريخية؟!

أعتقد بأننا أمام مهمة شاقة، ولكن ليست مستحيلة، لتغيير نظرة العالم تجاه الكنيسة وخاصة للذين - لسبب أو لآخر - يجهلون هذه الحقائق. أما الأشخاص الذين يتعمدون طمس الحقائق وتلفيق الخرافات - كالاتحاد الاوروبي ومن معهم من العلمانيين الملحدين أو باقي العقائد والفلسفات والايديولوجيات - فالأسباب واضحة لعدائهم الفاضح للكنيسة الكاثوليكية، وهو كونها تمتلك سلاح الحقيقة بوجه الكذب وسلاح الخير بوجه الشر وسلاح الجمال بوجه القبح.


الأخ فريد وردة المحترم، تحية حارة...

اقتباس "طبعا لا يخفي على أي متابع  ما تعرضت له  كنيستنا  على مر التاريخ  ؟  وما تتعرض له في أيامنا هذه  من  هجمات  من  عدة جهات  سواء كانت مذهبية  أو  اديان  أخرى  أو  ملحدين  أو  دوائر وأجندة  سياسية علمانية  وحتى على مستوى ألافراد ؟  في الخفاء و العلن ؟" انتهى الاقتباس

مرة أخرى، أشكرك على مداخلاتك التي تصب في الواقع المرير الذي تعاني منه الكنيسة الكاثوليكية بشكل عام غربية كانت أم شرقية جراء الهجمات المتتالية عليها من كل حدب وصوب نتيجة لمواقفها المساندة للحق والخير والجمال في كل شيء. المحزن في هذا الأمر وكما تفضلت حضرتك بأن السهام تأتيها من الداخل! ولهذا السبب وغيره أيضاً من الاسباب دعا البابا المستقيل بندكت السادس عشر وكمّل عليه البابا فرنسيس الى أنجلة (تبشير) جديد باسلوب خلاق، على أن يبدأ مشوار الأنجلة هذه من الذات! أي أن يرجع المسيحي الى ذاته ليبشر نفسه بالحقائق الايمانية وتعليم الكنيسة قبل انطلاقه الى الغير.


الأخ د. صباح قيا المحترم، تحية حارة...

شكراً لك على كلماتك التشجيعية والجميلة بحقي وان كنت لا أستحقها.

اقتباس "بصمات ألكثلكة على ألحضارة ألغربية خاصة وعلى ألتطور ألعالمي عامة لا يمكن تجاهلها مهما حاول ألبعض . فعلى سبيل ألمثال لا الحصر ,  لا تزال تلك ألبصمات بارزة في أعرق وأشهر جامعتين في إنكلترا وهما جامعة أوكسفورد وجامعة كمبريدج , وألتي يحكي تاريخهما على لسان مسؤوليهما ألدور ألكبير للرهبان ورجال ألدين ألكاثوليك في تأسيسهما وإرساء دعائم ألعلم فيهما . شاهدت وسمعت ذلك شخصيَاَ عند حضوري مؤتمراً طبياَ في أوكسفورد . " انتهى الاقتباس

نعم أخي العزيز، ان أكثر الخرافات التي يؤمن بها الناس، ونحن في القرن الحادي والعشرين، هي تلك المتعلقة بموقف الكنيسة من العلم، حيث ان كمية التسفيه والمغالطات المتأصلة بأذهان الناس تكاد لا تصدق! فالكل تقريباً يعتقد بأن الكنيسة كانت وما تزال معادية للعلم! ويأخذون مثال كاليليو على ذلك ونحن كنا قد وضحنا حادثة كاليليو بشكل مفصل في الجزء الثاني من هذه السلسلة.

لذلك من الصعب جداً أن تقنع العالم بأن الكنيسة لم تكن ضد العلم بتاتاً. بل العكس، فان العلم بدأ ونشأ وتطور بفضل الكنيسة الكاثوليكية وليس بالرغم منها بشهادة المؤرخين المختصين بتاريخ نشوء العلم!! هذه المعلومة جداً مهمة ولهذا أخذ هذا الموضوع ثلاثة أجزاء كاملة لتوضيح الصورة بالكامل عسى ولعل يكف الناس عن التصديق بهذه الخرافات. ولا ننسى مقولة البابا يوحنا بولس الثاني:

"أن العلم (العقل) والايمان هما الجناحان اللذان بواسطتهما يستطيع الانسان أن يحلق عالياً في سماء الحقيقة."!

في النهاية، أتمنى أن تكون هذه السلسلة قد ساعدت البعض على زيادة معلوماتهم عن المواضيع المطروحة فيها وان كانت غزيرة ومتشعبة، وشخصياً أتوقع بأن يطوي النسيان بعض صفحاتها ولكن ما أتمناه حقاً بان يبقى موضوع العلم والكنيسة في أذهان الناس لأطول فترة ممكنة حتى وان لم يتبق أي شيء آخر في الذاكرة فان موضوع الكنيسة والعلم كفيل بأن يغير بشكل جذري من قناعات الناس المغلوطة تجاهها!


تحياتي للجميع