المحرر موضوع: يونان هوزايا، رجل الهمّة والضمير  (زيارة 1228 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 358
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
يونان هوزايا، رجل الهمّة والضمير
لويس إقليمس
يونان الهوزي، عرفتُه محبوبًا، ذكيًا، دمثًا، غيورًا، حريصًا، ذا منهج واضح، مثابرًا، جادًّا قدر ما تسطيعُ صحتُه، لا يخشى في الحق لومة لائم.
جمعتني مع الراحل، علاقة احترام وصداقة، بدءًا كزملاء في جامعة الموصل بين الأعوام 1976-1980. وكان ذلك بفضل الزميلين الصديقين أديب كوكا ويوارش خوشابا المغتربين منذ سنوات. كنّا نمضي أوقاتًا من الفراغ في الحديث الطويل ذي الشجون، عن أحوال العراق ومآسي شعب العراق في ظلّ الحكم الشموليّ البائد. كنّا نعلم جيدًا أنْ لا مفرَّ من تحمّل المشقات والمآسي في ظلّ نظامٍ جاثم بظلمٍ وجرمٍ على صدور العراقيين، رغمًا عنهم. ولم يتسنّى لنا آنذاك كما لغيرنا، تنفس الصعداء منذ عقود، إلى أن حانت سنة الغزو في 2003 التي توسمنا فيها عهدًا جديدًا من الحرية والديمقراطية والانفراج في كلّ المجالات التي طال حلمُ العراقيين بها. لكن تلك الأحلام سرعان ما تبدّدت وتلاشت وأبعدتها رياح الطائفية والانتقام والمصالح الذاتية والفئوية بقدوم ساسة الإسلام السياسيّ والمتأسلمين والمنتفعين من مزدوجي الجنسية. على أية حال، هذه خلاصة ما كان يجول في خاطرنا ونحن في فسحة أروقة الجامعة الدراسية.
لم يكن يونان هوزايا خياليًا في تصوراته وطموحاته، بل كان يتفق معنا في تصوّر المشهد الواقعيّ، ويزيد، بفضل أفقه الواسع البعيد الذي كان ينمّ عن طاقة متفجّرة من تلك الطموحات والتصوّرات. كان كتلة من الهمّة، يحلمُ في التحليق عاليًا وبتحقيق طموح داخليّ، كان يصعبُ عليّ سبرُه. وهذا ما صارَ إليه بعد تخرّجه من الجامعة والتحاقه بالعمل التنظيميّ كي يطبّق ما في مكنونات خوالجه ويفجّر ينابيع عديدة من الغيرة والهمّة والحرص على أبناء جلدته الذين ظلمهم التاريخ في كلّ العهود والمناطق، حتى في كردستان، حبيبته!
لقد أثبت الراحل جدارتًه في العمل الحزبي والقوميّ، حين التحاقه بصفوف الحركة الديمقراطية الآشورية التي كرّس لها جهودَه المثابرة وأثبت فيها حرصه الكبير على وحدة صفوفها واستقامة نهجها ووقوفها في مقدّمة التنظيمات السياسية الوطنية المسيحية لغاية الساعة. وإن كان قد اختلف مع قيادتها في السنين الأخيرة ونقل مدرستَه الفكرية وأسلوب عمله الثابت إلى تنظيم رصينٍ آخرَ غيرَ حركتهِ، فقد كان له أسبابُه الموضوعية حينذاك. فهو لم يفعلها وحيدًا ناشزًا، بل كان قرارًا شبه جماعيّ لروّادٍ قدامى في تنظيم الحركة القوميّ المسيحيّ الذي مازال مؤثرًا على الساحة السياسية العراقية والقومية المسيحية، بالرغمّ من أن العمل القوميّ قد خفت بريقُه ولم يعد فعّالاً، هذه الأيام. فقد فشل السواد الأعظم من تنظيمات شعبنا المسيحي المتعددة والمتكررة الصورة في استقطاب مؤيدين، لأسباب عديدة، منها سوء عمل القيادات ونقص شعبيتها وعدم وضوح رؤيتها وتكرار خطاباتها وتبعية أغلبها لأحزاب وكتل كردستانية، بحيث أضحت جهة تنفيذية لأهداف هذه المذكورة. وقد كان الراحل هوزايا مدركًا لهذه الحقيقة، انطلاقًا من استقلالية الحركة التي كان انتمى إليها بكل جوارحه، حتى وصل إلى مكتبها السياسي بجدارة وارتقى منصب نائب السكرتير العام فيها.
كان الراحل هوزايا، نهرًا يجري في عروقه حبُ العراق وحبُّ شعبه من خلال ثقافته المتعددة الجوانب. فقد كتب الشعر وسطّر مقالات سياسية واجتماعية وولج عالم الكلمة السريانية العميق عبر تجربة المشاركة في تأليف مناهج وقواميس سريانية ميسرة تساعد الأجيال الجديدة والقادمة للنهل منها في دراستهم للغة السريانية التي عشقها حتى الالتزام بالسهر ليالٍ ليلاء في التأليف والمراجعة لأمهات القواميس متعددة اللغات كي يقف على الكلمة السهلة التي تيسر للقارئ والباحث فهمُ المعنى وإجادة النص.
كانت له بصمات في الإعداد للمؤتمر القومي الأول (المؤتمر القومي الكلدو-الآشوري) الذي عقد في 22 – 24 من شهر تشرين أول 2003، أي بعد سقوط النظام السابق بفترة أشهر قلائل. وكان ذلك بفضل جهود المجلس القومي الكلدو-آشوري الذي كان قد تشكل بمباركة جماعية  من رؤساء كنائس العراق في بغداد بتاريخ 13 أيار 2003. وحينها كنتُ طلبتُ في الجلسة الأخيرة منه إتاحة الفرصة لي للحديث والمداخلة، لكوني أحد المشاركين في أعماله. وكان اعتراضي في حينها انتقادًا لتفرّد الكلدان والآشوريين في السيطرة على قرارات المؤتمر عبر ما أسموه في حينها بتحالف كلدو- آثور، إحياءً لمصطلح كان قد خرج به الشهيد المطران أدي شير، وأراد الحضورُ رسمَ المؤتمر في أدراجه، بتهميش جهات مسيحية أخرى لها ثقلُها ولاسيّما السريان، بسبب البعد التقليدي والظرفي لهؤلاء عن الخط السياسي الذي لم يعرفوه في تاريخهم بالعراق. وقد أيّدني في ذلك الانتقاد، العديدُ من الزملاء الحاضرون. لكنّ قيادة المؤتمر آنذاك، لم  تكترث لاعتراضاتنا. وقد تمّ إضافة تسمية "سرياني" إلى المجلس لاحقًا، لتصبح تسميته ب"المجلس القومي الكلداني السرياني الآشوري"، نتيجة لإصراري وتحت ضغط مطالبات زملائي الأعضاء في هيئته الإدارية أيضًا. وللمعلومات، فقد طُعن ذلك المجلس في الظهر من قبل أعضاء قدامى، حين انقلب هؤلاء عليه وعلى أهدافه وجلسوا في أحضان شبيهه ما يسمى ب"المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري". ومذ ذاك، أي في أعقاب تشكيل المجلس، نمتْ عندي فكرةُ العودة للحلم القديم بدخول الحراك السياسي المدني المستقلّ بعيدًا عن الاصطفافات التنظيمية في الأحزاب التي لم يتسنى لي استساغتُها لغاية الساعة، لتقاطع الأفكار والمنهج. فآثرتُ العمل المستقلّ ضمن هذا المجلس الذي بقيتُ له أمينًا مع عدد من المخلصين لغاية صيف 2007، بسبب برودة البعض وتخلّي آخرين وهجرة غيرهم.
أعود لعلاقتي مع الراحل يونان. كم كانت سعادتي حين حضوره محاضرة لي قدّمتُها في حينها في حزيران من عام 2003 على حدائق جمعية آشوربانيبال، وكان آنذاك على رأس وزارة الصناعة في إقليم كردستان. وأتذكر موضوعها "ثقافة الّلاعنف، عهدٌ جديد في بناء العراق الجديد"، بسبب الخوف آنذاك من تنامي أعمال العنف التي كانت تباشيرُها قد لاحت من خلال أعمال انتقامية هنا وهناك، وكأنني كنتُ أتوقع حصولها بعد حين. وقد حصلت فعلاً وبلغت أوجها بين 2005 و2008، وهي أخذت طابعًا طائفيًا بعدها ولغاية اليوم. كانت مداخلاتُه في تلك المحاضرة مشجعة، تمّ عن شخص مهموم وحريص على البيت القومي المسيحي. لقد كان في تلك الفترة، في قمة عطائه ونشاطه، يتنقل هنا وهناك ويؤدي زيارات لأصدقاء ويلتقي المحبين، وما كان أكثرهم! ومن بعدها لم يتسنى لنا اللقاء إلاّ قليلًا أو هاتفيًا، سواء في بغداد أو عنكاوا بمقتضى نشاطي في المجتمع المدني أو طبيعة عملي.
برحيله، يكون الوسط المسيحي "القومي"، والثقافي الوطني العراقي، قد فقد واحدًا من المثابرين المجدّين والوطنيين المخلصين للمبادئ والمنهج الواضح. لكنّ أعمالَه الأدبية نثرًا وشعرًا، وقلبَه الواسع وروحه المرحة ونهجه في خدمة الآخرين، تبقى خالدة في سمائه، ليدعو له الأصدقاء والمقرَّبون والمحبّون، ولاسيّما من أسرته وعائلته الأصيلة، بحياة أخرى أكثر بقاءً وأجلّ خلودًا من الفانية.
تعازيّ القلبية لأسرته ورفاق دربه وكلّ محبيه.

بغداد، في 3 كانون ثاني 2016



غير متصل شوكت توســـا

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1874
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الاستاذ لويس إقليمس المحترم
تحيه طيبه  وتمنيات هانئه بمناسبة حلول العام الجديد.
عرض جميل وممتع ما بين الحديث عن علاقتكم بالفقيد الهوزي  واعتزازكم بها , وبين  اثارة نقاط نقديه سياسيه صائبه .
شكرا جزيلا لكم
وتقبلوا خالص تحياتي