المحرر موضوع: يونان هوزايا ولقاء التقسيم  (زيارة 1251 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل بدران امـرايا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 936
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
يونان هوزايا ولقاء التقسيم
بدران امرايا

ستظل سيرة يونان هوزايا سمفونية شعرية ازلية تفيض وتجيش فينا بسمّو القيّم ,ورقة ورشاقة التعابير والمعاني الجميلة وستبقى ذكراه حية في سفر خلود شعبنا الاشوري تنعش الروح والوجدان معاً,وقامة كَلكَامشية باسقة في فضاءنا الثقافي القومي الرحِب بالعطاء الانساني ,تتدلى من شموخها نشوة اروع آيات الابداع , لانه امتطى صهوة اللغة وانطلق بها الى حيث ميادين وواحات العلى والرقّي ,واطلق العنان لفكره الخصب ومداد قلمه وبهمة فولاذية لا تقهر ولا تستكين نحو التوثيق والتحقيق والتعديل والتطوير والتجديد في اللغة  والخط والشعر واستوفى الكلمة معناها , وكان حالة فريدة تختصرعندها المسافات وتختزل الازمنة , فهو لَمْ يَمُتْ بل ذهَبَ لمقابلة شماخات وانكيدو ليرتشف معهما كأس نّخْبُ ايجاد عشبة الخلود.
تعود معرفتي بالرفيق هوزايا الخالد بعطائه الى مطلع العقد الاول من تسعينات القرن الماضي عند التحاقه بصفوف زوعا الحركة الديمقراطية الاشورية,فعرفناه رفيقا اجتماعيا هادئ الطبع قليل الكلام ,قوي الشكيمة ,راسخ الخطى والايمان كريم النفس وشهما بسجاياه الطيبة, كانت جل حياته محطات ومواقف نضالية حافلة بالعطاء الابداعي  في كافة المجالات الادبية والثقافية واللغوية والسياسية ,وكانت مجالسه محفلا خصبا لمحبّي الشعر والنثر واجناس الابداع الادبي المتنوعة . فكان رفيقاً وصديقاً حميماً ,جمعتنا محطات قومية وحزبية ولغوية وثقافية كثيرة لا يمكن حصرها.
في 2009 عندما كنت في محطة انتظارنحو الهجرة  بتركيا اسطنبول ففي احد الايام بينما كنتُ اتمشى في شارع تقسيم المعروف والمشهور وسط المدينة ,والمزاحم دائما بالمارة من السواح وغيرهم ,صدفةً رأيتُ شخصين يتمشيان امامي فان واحدا منهما شبهتهُ برابي هوزايا من الخلف ولكي اقطع الشك باليقين اسرعتُ الخطى واجتزتُهما دون ان يعرفَ بذلك لمسافة واخذتُ نظرة خاطفة من وجههما , عندها تيقنتُ انه هوهو, مع شخص غريب لم اعرفه وتبين فيما بعد انه كردي من تركيا , فيا لها من صدفة ًولكن خيرٌ من الف ميعاد! ,فغمرتني فرحةً لا توصف ,توقفتُ لبرهه الى ان اجتازاني لمسافة ,وقتها عقبتهما الى ان اصبحا في متناول يدايّ فمددتُ يدايّ اليه وامسكته محتضناً اياه بقوة شديدة مشدداً اياهُ على صدري, فتفاجأ بتلك الحركة الغريبة, وبعد ان التفت عليّ فقال والفرحة تملئه لويّا بدراااااااان امرايا !! بشينّا لويّا , وبعد المصافحة الشديدة والتقبيل والاحتضان بحرارة ولهفه عالية,فقال لي: اما زلت هنا لويّا ؟ والى اين وصلت بمسالة السفر؟ وغيرها الكثير من الاسئلة . واستفسرتُ عن سبب وجوده في تركيا ,فرد اكيد في رحلة علاج,ولديه موعداً مع احد الاطباء في مساء ذلك اليوم, امّا ذلك الشخص الذي كان برفقته لا يحضرني اسمهُ فأنه  كان دليل ومترجم له خلال رحلته العلاجية,فتبادلنا ارقام الهواتف, وكذلك اعطاني بطاقة بتفاصيل الفندق الذي كان نزيلا فيه وتواعدنا بأن نلتقي ليلة ذلك اليوم , وبعدها تفارقنا وخابرت الرفيق سام الذي كان موجودا في اسطنبول كذلك , وعند لقاءنا في ساحة قرطلش استقلينا الباص نحو منطقة اكسرّاي ووصلنا الى الفندق بعد المشي لمسافة معينة , وجدنا نفسينا امام بناية ضخمة وعالية فأنبهرتُ بمدخل الفندق المزيّن بتماثيل حضارتنا الآشورية من الثيران المجنحة (لاماسو ) الملاك الحارس , وتمثال كَلكَامش وهو يحتضن شبل الاسد,ولوحات لكتابات مسمارية كبيرة تزين الجدران, وكانت صور الثور المجنح  تبدو على كل مقتنيات الفندق ,وعند الدخول لصالة الاستراحة خابرناه واعلمناه  بوصولنا وبعد برهة زمنية نزل من غرفته وجلسنا هناك لمدة ساعتين تقريبا وفي غمرة جو رفاقي مُهيب ودافيء تتمازج فيه لوعات الحب والحسرة والاشتياق مع رائحة القهوة  الزكية ,تبادلنا خلال ذلك اللقاء اطراف الكلام عن شؤون وشجون الوطن وشعبنا وزوعا وغيرها  الكثير الكثير.
ثم قلت له ما مسألة هذا الفندق وعائديته؟ فقال انه يعود لشخص كردي من جنوب شرق تركيا ,فكانت جدته من ابناء شعبنا الآشوري ابيدت عائلتها عن بكرتها اما هي فكانت طفلة صغيرة فسُبيت خلال مذابح الثمانيين ضد المسيحيين, وتربت وسط عائلة كردية مسلمة وكبرت وتزوجت وعرفت انها من اصل آشوري فكانت تعتزُ باصلها وفصلها القومي وتتجاهر بذلك على الدوام والى آخر يوم من حياتها. ووفاءاً لروح جدته العزيزة له سمى حفيدها فندقه بالاسم الآشوري.
ففي انتخابات 2010 وعند وجودي في محافظة توكات التركية خابرني الرفيق هوزايا لا كثر من مرة ,واستفسر عن سُبل وكيفية العمل لحشد انتخابي دعما لقائمة الرافدين في تركيا ,فابديت له عن رأيي في المسألة ,فقال رفيقي العزيزحاول ووفق الامكانات المتاحة التحشيد والترويج  للقائمة قدر المستطاع.
صراحة التعابير تقف خاشعة امام هيبة ووقار وتضحيات هذا الصرح الفكري الرصين ,لا وبل القامة السنديانية الباسقة والسامقة بعطاءها الدائم في حاضر ثقافتها الوطنية والثقافية,وسيظل سفرعطائه الزاخر من خلال شعلته الهاجة كموقده (كانونا)في حقل لغتنا, (وبهراه) قاموس ضيائه المنير مشعلاً وضاءاً لنهجنا القومي, وستبقى ذكرياته العطرة لوحة جدارية جميلة معلقة  في ضمائرنا ,ومن تركته سنستشف جميل العِبَر وصدق المعاني ,فتحية حب ووقار لروحك ايها الايقونة الخالدة في اذهاننا ,والراحة الابدية لروحك الطاهرة , وتعزيات روح القدس لذويكَ ورفاقكَ واصدقائكَ.