المحرر موضوع: قصيدة النثر  (زيارة 2235 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كريم إينا

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1028
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قصيدة النثر
« في: 15:39 25/04/2007 »
قصيدة النثر
عبد المسيح بدر

قصيدة النثر العراقية عمل فني له قابلية لتوليد انفعال خاص، مختلف تماما عن الانفعال العاطفي أو الحسي، وهي ليست قصيرة أو مكثفة، بل مليئة بالاستطرادات والتطويل والحكي السائب وتقديم التعريفات والبراهين ولقد كان التطويل أهم إضافة وضعتها قصيدة النثر في طريق التطور الشعري في عراق الثمانينات ونحن نعتقد أن الحرب الإيراني العراقية الطويلة (1980-1988) ولانتصار الفكر البنيوي، اليد الطويلة في بروز هذا الملمح.
قصيدة النثر العراقية ملتحمة جدا بكاتبها في الوقت الذي لا تتورع فيه عن إقحام أمور لا تمت لها في صلب عملها وذلك من اجل شيئين : مغادرة السوريالية (الكتابة اللاوعية، روح النكته). والتحلي الكاذب بروح الوقار والجدية كاستعادة لجلال الشعر العربي القديم.
إن اختيار الأسلوب، وتحديد النبرة، يقوضان ما يمكن تسميته بـ "التواصل والانفتاح"، قصيدة النثر العراقية ذات شكل غير متكامل، ونسيجها هلامي. إنها عمل مفتوح على الآخر دائماً.
كما أنها تتحمل الاستفاضة في استعمال الأدوات، والمبالغة في الصور والمحسنات، وهي لا تتحامى الادعاء والتظاهر المتعمد. وعلى عكس ما يقوله الفرنسيون، فان قصيدة النثر العراقية تبدأ مثل |(فاترينة) صائغ في شارع النهر أو بياع المجوهرات الكاذبة في سوق المستنصر ببغداد وهي إلى ذلك تقرر مسبقاً مبدأ المقابلة مع الواقع، ويمكن دائماً المقارنة بينها وبين أي شيء آخر، عبر وسط تأملي. لقد أصبحت قصيدة النثر العراقية قائمة على نوع من التحليل، أي أن الذهنية صارت جزءاً أساسيا منها، والذي يكتبها كفاحه  يعمل إلى إخفاء هذه الذهنية الملازمة جوهرياً لقصيدته النثرية.
الكتابة النثرية ضمن التعبير العراقي ردة فعل مقصودة وعنيفة ضد الانفعال السريع (لنتذكر خراب حربين، العدوان الدموي على العراق، الحصار المستمر الذي لا يمكن شرحه إلا بالعيش فيه). وهي عملية إدخال العقل في اللعبة الشعرية، ولعل أهمية النثر العراقي تكمن – في إطار الشعر الحديث – في هذا الملمح بالذات.
أي : الذهنية والعقلانية. لذا فان الثلاثية المعروفة للمزايا في قصيدة النثر العالمية تنعكس في العراقية لتكون النسق التالي: بدلا من الإيجاز هناك التطويل، الحكي، اللاكثافة، بدلاً من التوتر والشد هناك التراخي، والسيبان، التأمل، وبدلا من المجانية والجزاف هناك العقلانية والذهنية والقصد.
تاريخ قصيدة النثر في العراق تاريخ تحديات وخيانات تاريخ امتدادات وتخيلات ... كتبها ويكتبها المهمشون الخارجيون المسافرون المنفيون، الأقليات والنوابت من الأقليات ذوي الأصوات الضائعة وكل من ليس لديه القدرة أو يبحث عن سلطة للكلام.
أنها عانت وتعاني من مصير ممائل لمصير أولئك الذين تحاول تمثيلهم. لقد ظلت صوتا مكتوما داخل الأدب العراقي لا يكاد يسمع في المجتمع الثقافي العريض حتى يومنا هذا. والذي يحتج بان ما يكتب الآن برمته هو من نوع قصيدة النثر نقول إن شعرنا اليوم هو رحلة ضياعية بين مفهومي النثر الشعري والشعر  - بلا وزن أو قافية. الحديث عن موت الشعر وإقصاء باقي الأنواع لصالح قصيدة النثر هو نفس الحديث عن موت قصيدة النثر وربما موت كتابها. فالعملة القمعية بوجهيها لامعة لكنها زائفة، لا نريد من الناقد العراقي أن يطبل في حفلة تتويج شعري ولا أن يقتاد الشعر إلى المقصلة، نريد منه فقط أن لا ينام.